الابتعاث والسباق الحضاري

مشاركة الصفحة


 

بقلمدإبراهيم نويري

الجزائر

شهادات غربية:

العرب حولوا الأندلس خلال المدة التي حكموها من بلد جدب فقير مستعبَد إلى بلد عظيم مثقف مهذّب يقدّس العلم والفن والأدب.

 

على المبتعثين من الدول العربية إلى ديار الغرب ومعاهده وجامعاته أن يتذكّروا دائماً هذا العامل التاريخي – الحضاري لأنه محفّز قوي فعّال على الجدّ والعطاء.

 

مدير جامعة برلين مخاطباً الطلاب والمبتعثين العرب والمسلمين:

نحن الأوروبيين مدينون لكم ولتلك القافلة العظيمة التي كانت عندكم من العلماء بل لا يزال العجب يأخذ منا كلّ مأخذ عندما نتذكّر الرازي وابن الهيثم وابن النفيس والخوارزمي.

 

 

ظلت أمتنا تتزّعم قافلة العلم والفكر والحضارة والمجد لدورة زمنية ليست بالقصيرة، امتدّت لما يقرب من ألف عام، أسهمت فيها هذه الأمة بجليل الأعمال، وأضافت إضافات مقدورة ملموسة، لتراكم الخبرة العلمية، في الرياضيات والطب، والفلك والكيمياء والهندسة والفيزياء، والحِيَل (التكنولوجيا) والعمارة أو الهندسة وفي الفنون والآداب، وغيرها من مجالات العلم والمعرفة والإبداع، وهي مسألة تُعد موضع إجماع الدارسين والمؤرخين وخبراء تاريخ العلوم والحضارات الإنسانية.

لقد أثارت هذه الإضافات وأسرارها ومدى علاقتها بطبيعة رسالة العرب والمسلمين ومسالكهم في المعاملة مع غيرهم، دارسين وباحثين ومؤرخين كثيرين من ذوي الضمائر العلمية المنصفة الصافية، حتى قالت المؤرخة والمستشرقة الألمانية المشهورة (زيغريد هونكة): «لقد حول العرب الأندلس خلال المدة التي حكموها من بلد جدب فقير مستعبَد إلى بلد عظيم مثقف مهذّب، يقدّس العلم والفن والأدب، قدّم لأوروبا سبل الحضارة وقادها في طريق النور، فكلّ موجة علم أو معرفة قدمت لأوروبا في ذلك العصر كان مصدرها البلدان الإسلامية»(١).

ومن وجهة نظري أن على المبتعثين من الدول العربية إلى ديار الغرب ومعاهده وجامعاته أن يتذكروا دائماً هذا العامل التاريخي – الحضاري؛ لأنه محفز قوي فعال على الجد والعطاء والإبداع وبذل الوسع، وعلى الثقة في النفس أيضاً، والنهل من معين العلوم والمعارف كافة، ورصد التجارب العلمية الناجحة وتمثلها، حتى يعودوا إلى أوطانهم بعد تخرجهم، وكلهم حماس وإقبال على العمل والإنجاز والإضافة والإبداع؛ كي تزدهر هذه الأمة مرة أخرى، فتكون لها بصمتها الخاصة في مسار تجدد منظومة التراكم العلمي والمعرفي والحضاري المعاصر، كما كان لها ذلك في الأزمان الغابرة.

يقول المفكر السعودي الدكتور أحمد سيف الدين تركستاني -حفظه الله: «نحن اليوم في عالم ابتعاث طلابنا وطالباتنا إلى البلاد الغربية وغيرها، نشق طريقاً طويلاً ننهل فيه من المعرفة ونتشرب من العطاء الحضاري للبلاد التي نذهب إليها، ولكننا نحتاج إلى أن نأخذ ما يزيد حضارتنا الأخلاقية قوة ومتانة، ويدفع بمسيرتنا التطورية قدماً دونما خوف من المستقبل أو سبق الآخرين لنا؛ لأننا وإياهم شركاء في الحضارة الإنسانية المعاصرة».

فلا ريب أن الدكتور تركستاني إنما يقصد ويتشوف إلى أن المبتعث السعودي خاصة والعربي عامة، ينبغي أن يتفاعل مع الآخر الحضاري، وألا يكون مسكوناً بهاجس ازدراء الذات، أو الشعور بالهشاشة الداخلية، بل على العكس من ذلك ينبغي أن يُخضع العلم الذي يتعاطاه إلى الفحص المستمر والتأمل الدقيق، من باب التفاعل المنطقي مع العلم، وهذه مسألة منهجية محض، وأيضاً لكونه ينتمي إلى أمة كبيرة أسهمت إسهاماً جليلاً ومقدوراً في مسار منجزات العلوم والإضافة لمعمار الحضارة الإنسانية اللاّحب الممتد.

وهذه مسألة يقرّها كل المنصفين من الباحثين والدارسين، ولا بأس في هذا المقام أن أثبت هذه الحادثة المؤثرة لصلتها الوطيدة بسياق حديثنا، وأيضاً لأهميتها في شحذ همة المبتعثين وطلبة العلم في جامعات الغرب، ودفعهم للتزود من العلوم المختلفة، وهم يقفون على أرض صلبة من الانتماء الصحيح للأمة والثقة الكاملة بالنفس، من دون أيّ مسكة من غرور أو استنكاف (تكبّر) على حقيقة جهود الآخرين وإضافاتهم.

فقد حدث ذات يوم من الأيام أن وقف الدكتور «غريسيب» مدير جامعة برلين رئيس قسم الطب فيها، مخاطباً الطلبة والمبتعثين العرب والمسلمين، بمناسبة حفل أقامه هؤلاء الطلبة قائلاً: «أيها الطلبة المسلمون: إننا نحن الأوروبيين مدينون لكم ولتلك القافلة العظيمة التي كانت عندكم من العلماء، بل ولا يزال العجب يأخذ منا كل مأخذ، عندما نتذكر الرازي وابن الهيثم وابن النفيس والخوارزمي… وغيرهم من أعلام الحضارة الإسلامية.

أيها الطلبة المسلمون: أما الآن وقد انعكس الأمر، فنحن الأوروبيين يجب أن نؤدي ما علينا تجاهكم، فما العلوم التي بين أيدينا إلا امتداداً لعلوم آبائكم وشرحاً لمعارفهم ونظرياتهم. فلا تنسوا أيها الطلبة تاريخكم المشرق، وعليكم بالعمل المتواصل كي تعيدوا مجدكم التليد، طالما أن كتابكم المقدس (القرآن الكريم) عنوان نهضتكم وحضارتكم لا يزال بين أيديكم.. فارجعوا إلى الماضي لتؤسسوا المستقبل.. ففي إسلامكم علم وثقافة ونور ومعرفة..

وسلام عليكم يا طلابنا، الذين كنا في الماضي طلاّبكم»!!

رحماك ربي.. أرفق بقلوبنا يا عزيز يا حكيم، إنها كلمات ترجّ المشاعر رجاً، وتستدعي حضور تلك الصفحات الناصعة المشرقة من بين تلافيف شريط الذاكرة، وكم يشعر كل واحد منا بالعزة والاشماس يملآن عليه جوانحه، وهو يقرأ شهادة علماء الغرب المنصفين واعترافاتهم بجهود هؤلاء الأسلاف العظام، وما قدموه للإنسانية من أعمال ومنجزات، مهدت الطريق أمام الشأو العجيب، الذي بلغته الحضارة في هذه الحقبة من التاريخ.

إن الأمم تحتاج في مرحلة نهوضها من جديد، أو خلال انعطافة عودتها إلى ميدان الإضافة والمنافسة والتدافع والسباق، إلى النظر الحصيف في ماضيها والإفادة منه وإحياء عناصر القوة وعواملها فيه، ثم العمل على توظيفها بلباقة وحكمة ومنهجية في بناء الحاضر وتعزيز المستقبل.

ولنا في سائق السيارة خير مثال، فإن سائق السيارة وهو يعيش لحظته (الحاضر أو الراهن) يندفع بسرعة باتجاه الوصول إلى نقطة معينة تمثل بالنسبة إليه المستقبل لكنه لكي يضمن وصولاً آمناً، لا يستغني أبداً عن النظر في المرآة العاكسة للخلف وذلك يمثل الماضي، وهو لو غفل عن هذه المرآة أو أهملها عمداً لما ضمن وصوله إلى هدفه.

فالله تعالى أسأل أن يعين المبتعثين ويوفقهم في أعمالهم ودراساتهم، ويجعلهم عناصر بناء وقوة لوطنهم وأمتهم، فإن قوة الأوطان واستعصاء الأمة على الاختراق ومحاولات الإلحاق والإضعاف والتوهين، مرهون بسلامة عناصر البناء، وهذه السلامة إنما تتحقق بالتمكّن من العلوم المختلفة، والإخلاص لله والوطن والإصرار على ضرورة أن تتخطى الأمة العقابيل والحواجز التي تحول دون إقلاعها الحضاري وعودتها إلى حلبة السباق العلمي والحضاري من جديد.

كما أرجو أن ترتبط في أذهان القراء أهداف الابتعاث العلمي باليوم الوطني السعودي الذي بلغ -بفضل الله- محطته التسعين لما للوطن السعودي من أفضال كبيرة على المنجز العلمي، وعلى نهضة السعوديين وتمكنهم من مختلف العلوم والمعارف والتخصصات.

فإن الواجب نحو الوطن ينبغي أن يحظى دائماً بالأولوية، بل لا بد أن تتأخر الحقوق بشتى ضروبها في كثير من الأحيان، عندما يدعو داعي حماية الوطن ورد المكاره عنه.

وصدق أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله عندما قال:

وطني لو شُغلتُ بالخلد عنه

نازعتني إليه في الخلد نفسي

 

 

هوامش:

شمس العرب تسطع على الغرب، بيروت، دار الآفاق الجديدة، ط7، 1982 م، ص 541)

 
 

وشاهد الأمير عبدالله بن بندر والحضور عرضًا مرئيًّا تعريفيًّا عن صرح الجامعة، وأعداد الخريجين لهذه الدفعة البالغة 794 طالبًا. بعد ذلك ألقى مدير الجامعة الدكتور بندر القناوي كلمة بهذه المناسبة، ثمَّن فيها رعاية وزير الحرس الوطني التي تأتي دعمًا لمسيرة الجامعة الأكاديمية والعلمية والبحثية، ودافعًا للاستمرار في تحقيق النجاحات.

وأضاف بأن مشاركة وزير الحرس الوطني الخريجين فرحة النجاح والتخرج تؤكد حرصه على دعم وتشجيع الطلاب؛ لما بذلوه من جهد في التحصيل الأكاديمي والعلمي والتدريب الإكلينيكي، ومشاركتهم أيضًا فرحة التطلع إلى خدمة الوطن والمواطن بثقة وتفانٍ وإخلاص.

وأكد أن خريجي الجامعة اكتسبوا مهارات، سيسهمون بها في دعم وتطوير النظام الصحي في السعودية، وتطوير خدمة الرعاية الصحية، كما استفادوا من البيئة الإكلينيكية في تطوير أدائهم وإمكاناتهم على أكمل وجه.