دفاع جوي بين منظومتين

​بقلمحسني عبدالحافظ

تسعى الولايات المتحدة الأميركية في تحقيق تفوق نوعي في مجال الدفاع الجوي الصاروخي، من خلال منظومة THAAD المنبثق تصميمها مع التعديل عن منظومة باتريوت الشهيرة، وفي الوقت ذاته نجد الروس يسابقون الزمن لبناء أجيال متعاقبة وتطويرها، أو بالأحرى طرز مستحدثة من منظومتهمS-TRIUMF التي أشارت إليها تقارير غربية بأنها المنافس الأقوى للمنظومة الأميركية، وكانت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون)، قد أبدت قلقاً بالغاً، من بيع الروس طرازًا حديثاً من منظومتهم لعدة دول من بينها تركيا الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي NATO، التي نصبت فوق أراضيها منظومة S400.

فماذا عن مستقبل الدفاع الجوي الصاروخي، في ظل السباق بين كل من الأميركيين والروس، لتطوير منظومتيهما؟.

من الباتريوت إلى الثاد

كانت الولايات المتحدة الأميركية قد أعلنت في 1969م، البدء بتصميم نظامها المتنقل للدفاع الجوي الصاروخي باتريوت، وأوكلت وزارة الدفاع إلى رايثون، تصنيع المنظومة التي تكفلت بذلك، وبدأت عمليات التصنيع عام 1976م، وفي 1981م دخلت المنظومة الخدمة ضمن الجيش الأميركي، ثم سمحت الولايات المتحدة بتصديرها بعد ذلك، لبعض حلفائها، من بينها دول عربية، وقد ظهر منها عدة طرز، (باتريوت باك 1، وباك 2، وباك 3).

وكانت الباترويت في بداية ظهورها تستخدم نظاماً مضاداً للطائرات، إلا أنه أدخل عليها بعض التعديل(1).

ومنذ 1988م غدت قادرة على رصد الصواريخ الباليستية التكتيكية (TBM) ثم شهدت تطويرًا جديدًا وأعيد تصميمها بالكلية لتصبح أكثر كفاءة في اعتراض الصواريخ الباليستية التكتيكية وتدميرها.

وتتضمن المنظومة منصة إطلاق تحوي 16 قاذفة، تحمل الصواريخ، مع الإشارة إلى أن كل قاذفة متصلة بنظام تحكم عن طريق الألياف الضوئية، وعند البدء في الإطلاق ترتفع ذراع هيدروليكية، لتدفع بصاروخ جديد عقب الذي أطلق، ومن ثم تسريع عملية الإطلاق، وتحتوي كل منصة على رادار، من طراز مصفوفات المسح الإلكتروني السلبي AN/MPQ-53/6، قادر على كشف مدى الصواريخ لمسافة تصل إلى 100 كيلو متر، ويتميز بقدرته على تحديد سرعة الصاروخ ومساره، وما إذا كان عدوًا أم صديقاً، من خلال نظام التشفير بين الأسلحة الصديقة، وقادر على التحكم في تتبع مسار 100 صاروخ معاد، وفي الوقت ذاته التحكم في 9 صواريخ باتريوت، وفي حال وجود أكثر من منصة إطلاق، فإن قذف الصواريخ يتم من خلال نظام تحكم حوسبي، ينسق مع المنصة الرئيسة، لتحقيق أفضل توزيع في إطلاق الصواريخ نحو أهدافها.

وبالتوافق مع الباتريوت تعمل المنظومة الأميركية الأحدث للدفاع الجوي الصاروخي ثاد Thaad على اعتراض الصواريخ المعادية ومواجهتها، الآتية على ارتفاعات عالية، ويرى الأميركيون أنها الأفضل على مستوى العالم في مجالها.

 

جدير بالإشارة أن مشروع هذه المنظومة بدأ الحديث عنه مطلع التسعينيات، وضم تحالف لوكهيد مارتن، وعدد من شركات التصنيع العسكرية الأميركية (رايثون، وبوينغ، وايروجت وروكيتداين وهانيويل بي أيه سيستمز وكاتربيلر وأوشكوش وغيرها) بالتنفيذ مطلع عام 1992م، وفي 2000م بدأ الإنتاج التجريبي، وخضعت المنظومة ككل للاختبارات منذ عام 2006م، حيث نجحت في اعتراض صاروخ قبل دخوله الغلاف الجوي، وبنهاية 2011م نجحت المنظومة في تسعة اختبارات اعتراض لأهداف معادية خارج الغلاف الجوي، و12 تجربة تحليق، وكإجراء احترازي كانت الولايات المتحدة قد نشرت هذه المنظومة في كل من غوام وهاواي، للتصدي لأي خطر قد تشكله كوريا الشمالية.

وآلية عمل المنظومة يمكن تتبعها من خلال المراحل الآتية:

* يطلق العدو صاروخاً.

* يكشف رادار ثاد مسار انطلاق الصاروخ ومن ثم يسرع بنقل المعلومات التفصيلية إلى مركز القيادة والتحكم.

* تعطي منظومة ثاد أوامرها بإطلاق صاروخ اعتراضي لتدمير الصاروخ المقبل.

* ينطلق الصاروخ الاعتراضي نحو الهدف المعادي بسرعة تعادل 8 أضعاف سرعة الصوت(2).

جدير بالإشارة أن صواريخ ثاد الاعتراضية تعمل مع منظومة باتريوت، ضمن ما يسمى «الدرع الصاروخي» بحيث يتصدى الثاد للأهداف ذات الارتفاعات العالية، وتكون مسؤولة عن حماية الطبقات العليا من الجو ومن مسافات بعيدة، بينما يتصدى الباتريوت الأهداف على الارتفاعات المنخفضة والمتوسطة ومن مسافات قريبة نسبياً.

أبرز مكونات منظومة ثاد

قاذف صاروخي متحرك مجهز على عربة من نوع M1075، ذات الـ 12 متراً طولاً و3.2 أمتار عرضًا في حين تتكون بطارية المنظومة من 9 عربات مجهزة بالمقذوفات، تحمل كل منها ما بين ستة إلى ثمانية صواريخ اعتراضية، مزودة بمستشعرات، وحاسوب قادر على التمييز بين الأهداف الحقيقية والكاذبة، وثمة مركزان للعمليات، ومحطة رادار للكشف والتتبع ومعالجة المعلومات عن الهدف، وتحديد نقطة التقابل المحتملة قبل الإطلاق.

ويمكن تحديث البيانات وإرسال أوامر تصحيح المسار للصاروخ في أثناء الطيران، والرادار (GBR) الذي يمكنه اكتشاف الصواريخ الباليستية المعادية، من على مسافة ألف كيلو متر من إنتاج رايثون، ويمكن نقله بواسطة الطائرة هيركوليز C130.

إستريومف المزعجة للغرب

في المقابل يعمل الروس منذ سنوات على تطوير منظومتهم للدفاع الجوي الصاروخي التي ظهر منها عدة أجيال متعاقبة من أشهرها منظومة S-300، التي بدأ العمل في تصميمها عام 1979م، وكلفت مؤسسة ألماز للصناعات الدفاعية، بإنتاجها، إذ تطورت وظهر منها أكثر من طراز، بهدف تحقيق أكبر استفادة للدفاع عن المنشآت الحساسة، والقواعد العسكرية، ومراكز الرصد الجوي، وضد ضربات الطائرات المعادية، وصواريخ كروز.

وعن هذه المنظومة يقول الجنرال الكسندر ليونوف قائد قوات الدفاع الجوي الروسي: إنها من الكفاءة بحيث تستطيع رمي 6 أهداف بصواريخها في وقت واحد، وتوفير الحماية من خطر وسائط الهجوم الجوي العالي التصويب، وأضاف: لقد شاركت هذه المنظومة بفاعلية في العمليات داخل الأراضي السورية، ومنعت الهجمات على مطار حميميم، ونقطة الإمداد والصيانة في طرطوس، وحدث أن اكتشفت طواقم تشغيل المنظومة طائرات استطلاع وقاذفات قنابل تابعة للقوات الجوية الأميركية، وأن ردود فعل الطيارين الأميركيين على تعقب طائراتهم، كانت تتسم بالعصبية الشديدة(3).

وكان الروس قد نجحوا في ترقية S-300، وحققوا قفزة كبيرة في مجال الدفاع الجوي الصاروخي، عندما أعلنوا دخول منظومة S-400 الخدمة، لدى قوات دفاعها الجوي، بدءاً من 2007م، وقد شهدت هذه المنظومة مزيداً من التطوير على مدار السنوات التالية حتى صارت توصف منذ 2017م، بأنها «واحدة من أفضل أنظمة الدفاع الجوي في العالم»، وتعرف هذه المنظومة لدى حلف شمال الأطلسي NATO، باسم Growler–SA21، وهي تستخدم أربعة أنواع مختلفة من الصواريخ الاعتراضية ذات نطاقات تغطية متباينة، وهي:

* صواريخ M6 -40 بمدى 400 كيلو متر، للأهداف بعيدة المدى.

* صواريخ M6 -48 بمدى 250 كيلو متر، للأهداف طويلة المدى.

* صواريخ M96E2 بمدى 120 كيلو متر، للأهداف المتوسطة المدى.

* صواريخ M96E بمدى 40 كيلو متراً للأهداف قصيرة المدى.

وبحسب تقارير روسية صادرة حديثاً عن أهمية المنظومة ومواصفاتها وخصائصها الفنية والتقنية، فإنها قادرة على التعامل مع 72 هدفاً معادياً في وقت واحد، وتحديد الهدف من على بعد 600 كيلو متر، وتدميره على بعد 400 كيلو متر، وهي من الكفاءة بحيث تستطيع إسقاط الهدف، حتى مع طيرانه على ارتفاع أدنى بـ 10 أمتار، أو على ارتفاع 30 كيلو متراً.

وتحقق المنظومة وقتاً قياسياً للرد، لا يتجاوز الـ 5 دقائق، وبرغم أن المنظومة لم تشارك بشكل فعلي حتى الآن في معارك حقيقية، إلا أن التقارير الروسية تؤكد أنها أثبتت من -خلال الاختبارات والتجارب- قدرتها على رصد طائرات الشبح من طرازي B2 وF117، والقاذفات الإستراتيجية الغربية من الجيل الرابع، والصواريخ الباليستية، بما فيها من صواريخ كروز وتوما هوك واستهدافها.

 

وكان الروس قد أفصحوا أن بجعبتهم مزيداً من الطموحات المستقبلية، لتحقيق التفوق في مجال الدفاع الجوي الصاروخي، فقد أعلنوا أنهم بصدد التجهيز لإنتاج حفيد جديد من عائلة إس تريومف، هو S-500، ويشير الخبير الإستراتيجي والبرلماني الروسي المخضرم فلاديمير جيرينوفسكي إلى أن الروس بامتلاكهم مثل هكذا منظومة فإنهم بذلك يصبحون قادرين على «إغلاق سماء الكوكب بأسره، إن أرادوا، وعدم السماح لطائرة واحدة معادية بالتحليق».

ويقول سيرغي تشيمزون المدير العام لمؤسسة روستيخ للصناعات الدفاعية: «لقد بدأت روسيا في وضع اللمسات الأخيرة لعمليات إنتاج هذه المنظومة»، وفي مقابلة له مع قناة (روسيا 1)، مساء الثلاثين من يونيو 2019م، صرح تشيمزون: «لقد بدأنا بالفعل في تصنيع S-500، وهي أكثر حداثة وتطورًا بكثير من S-400، وأنها ستدخل الخدمة خلال السنوات القليلة المقبل،(4).

 

ولا أريد التحدث أكثر من ذلك»..إلا أن تسريبات عن هذه المنظومة، أفضت إلى أنها» قادرة على تدمير الصواريخ الباليستية كافة، والوحدات القتالية للصواريخ العابرة للقارات، إضافة إلى أهداف أيروديناميكية أي: مقاتلات وطائرات من دون طيار، ومروحيات، وضد الأقمار الاصطناعية».

خاتمة

لقد صار الدفاع الجوي الصاروخي من أهم الأولويات التي تعنى بها الجيوش الحديثة، وفي ظل السباق بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا لتحقيق التفوق المستقبلي في هذا المجال تتصدر منظومتاهما المشهد، وبين الحين والآخر تخرج التصريحات المعلنة، سواء من الجانب الأميركي أو الجانب الروسي للإفصاح عن الجديد في جهود التطوير التي تصاعدت في الآونة الأخيرة، خصوصاً بعد إقدام تركيا الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة والعضو في حلف الناتو، إلى التوجه شرقاً، وشراء منظومة S-400 الروسية ونصبها فوق أراضيها.

 

 

المصادر والمراجع:

1/ تشارلز زبيري (وآخرون): الدفاع الجوي الصاروخي ومواجهة انتشار أسلحة الدمار الشامل وتخطيط السياسة الأمنية الناشر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية الطبعة الأولى أبوظبي 2000م.

2/ كريم مجدي (تقرير): منظومة ثاد الأميركية.. حقائق وأرقام.

3/ يونس كوبي (تقرير): تطوير منظومات الدفاع الجوي صراع أميركي روسي لا يتوقف.

4/ وكالة أنباء نوفوستي، وقناة روسيا(1)، وصحيفة إزفستيا.

– موسوعة ويكيبديا (الموسوعة الحرة).