عسكرية - ثقافية - شهرية

إستراتيجية الحرب النفسية

بقلم: عميد(م) د. محمد محمود نصيري

إن الحرب النفسية هي أكثر خطورة من الحرب العسكرية؛ لأنها تستخدم وسائل متعددة، إذ توجه تأثيرها إلى أعصاب الناس ومعنوياتهم ووجدانهم، وفوق ذلك كله تكون في الغالب مقنعة بحيث لا ينتبه الناس إلى أهدافها، ومن ثم لا يحطاطون لها. فأنت تدرك خطر القنابل والمدافع وتحمي نفسك منها، لكن الحرب النفسية تتسلل إلى نفسك من دون أن تدري، وكذلك فإن جبهتها أكثر شمولاً واتساعاً من الحرب العسكرية؛ لأنها تهاجم المدنيين والعسكريين على السواء.

الحرب النفسية؛ تستخدم عدة أساليب منها:

أولاً: الدعاية، باستخدام وسائل الإعلام الحديثة من نشر وترويج للأفكار والمعتقدات والأخبار التي تود نشرها وترويجها بغرض التأثير في نفسية الأفراد وخلق اتجاهات معينة لديهم.

والدعاية هي أحد أساليب الحرب النفسية وتأخذ أشكالاً متنوعة طبقاً للأهداف ونوع الأفراد والجماعات الموجهة إليهم، فالدعاية تستهدف الاقتناع بالنصر وإقناع العدو بهزيمته. وتشكيكه في مبادئه ومعتقداته الوطنية والروحية، ونثر بذور الشك في نفوس أفراده في شرعية قضيتهم والإيمان بها.

وتستهدف الدعاية في المقام الأول بث الفرقة وعدم الوئام بين صفوف الخصم ووحداته المقاتلة، فهي تسعي في التفريق بين الخصم وحلفائه والحكومة والشعب، والقادة والجنود، والطوائف والأحزاب المختلفة، والأقلية والأغلبية وتقصد من وراء ذلك كله تفتيت الوحدة وتفريق الصفوف ليسهل لها النصر.

ومن وسائل الدعاية، بث حالة الحماس لدى أبناء المجتمع العسكريين والمدنيين للتمسك بقضيتهم وبحقوقهم التي يحاربون من أجلها، وبيان ضرورة كسب الحرب، مع الاستعانة بإثارة المشاعر الوطنية والقيم الدينية والأخلاقية، وفكرة الشهادة في سبيل الله، والعودة إلى المفاخر التاريخية التي تزكي قيمة الدفاع عن العقيدة والمقدسات والعمل على حمايتها.

ثانياً: الإشاعة، وهي عبارة (نوعية أو موضوعية) عن مقدمة للتصديق تتناقل من شخص إلى آخر، وهي تعتمد على المبالغة في أخبار معينة والترويج لها ونشرها على نطاق واسع، أو خلق أخبار لا أساس لها من الصحة. كل ذلك بهدف التأثير في الرأي العام تحقيقاً لأهداف سياسية أو اقتصادية أو عسكرية.

ولذلك فإن الإشاعة قد لا تكون معتمدة كلية على الخيال، فقد تعتمد على جزء من الحقيقة من أجل إمكانية تصديقها وتقبلها من قبل الناس، وقد تظهر الإشاعة أحياناً في الصحف والمجلات أو تجد طريقها إلى موجات الإذاعة والتلفزيون.

وتستخدم الإشاعة وتنتشر في وقت الأزمات الاجتماعية والوطنية لذلك فإن زمن الحرب هو أنسب وقت لتلك الإشاعات ونشرها حيث يكون الأفراد في حالة استعداد نفسي لتصديق كثير من الأخبار والأقاويل التي يسمعونها؛ نظراً لحاله التوتر النفسي الذي يعيشونه، ولذلك فإن كثيراً من الدول أدركت ذلك وأخذت تستخدم الإشاعات كإحدى وسائل الحرب النفسية المهمة.

والشائعات التي تستخدم في الحرب على نوعين، إشاعات الخوف وإشاعات الرغبة. وإشاعات الخوف بما تنطوي عليه من إنذار بالخطر تهدف إلى الكف من ثقة الشخص بالنهاية المظفرة لمجهوداته الحربية، فهي إذا كانت تولد قلقاً لا لزوم له فهي أحياناً تؤدى إلى نظرة انهزامية.

وإشاعات الرغبة من ناحية أخرى تحوي تفاؤلاً ساذجاً. إذ تؤدى إلى القناعة والرضا عن الحال والخنوع وقبول أي حال ممكن، وأمثلة الشائعات لا تعد ولا تحصى، من قتل الأطفال والنساء، ودفن الأسرى أحياء، واعتقال المدنيين الأبرياء، واستخدام أسلحة محرمة… وغيرها من الأخبار التي تثير الرعب بين المدنيين والعسكريين.

والشائعات تكون أكثر نجاحاً إذا راعت المستوى العقلي والثقافي والتعليمي لمن توجه إليه، وإذا استخدمت وسائل جذب الانتباه، واعتمدت على التكرار غير الممل وعلى التشويق، وكان مصدرها جذاباً أو مقبولاً من قبل الجمهور المستهدف، وكان مصدر ثقتهم، وتنطبق عليها شروط التعليم الجيد وشروط الإعلام الجيد وشروط الإقناع الجيد، وكما تشن للهجوم فإنها أيضاً تتصدى للدعاية المعادية بالرد عليها وبيان زيفها وبطلانها.

ثالثاً: افتعال الأزمات وحبك المؤامرات، عبارة عن استغلال حادث أو حوادث معينة قد تكون بسيطة ولكن يتم استغلالها بنجاح من أجل خلق أزمة تؤثر في نفسية العدو وتستفيد منها الدولة المستخدمة لهذا الأسلوب، مثال ذلك افتعال إسرائيل أزمة الحدود مع سورية ونشاط الفدائيين مسوغاً لشن الحرب عام 1967م وما حدث عام 1960م حيث فشل مؤتمر القمة الذي كان مقرراً في باريس بين روسيا وأميركا إذ أرسلت أميركا قبل موعد عقد المؤتمر بأيام طائرة تجسس فوق أرض الاتحاد السوفيتي ما أدى إلى انسحاب رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي من المؤتمر حين رفضت الولايات المتحدة الاعتذار.

رابعاً: إشاعة الرعب والفوضى، وهذه وسيلة مهمة تستخدم بواسطة استغلال عاطفة الخوف لإرهاب الشعوب وإخضاعها من خلال استخدام الوسائل المختلفة لخلق حالة من الذعر والفوضى يسهل عن طريقها السيطرة والتغلب.

ومن أشد العوامل إثارة للخوف انتظار هجوم العدو وتخمين نوعه والجهة التي سيأتي منها. فحينئذ يكون المنطق النفسي للجنود هو: “وقوع البلاء خير من انتظاره” وحينها يسود الشك والقلق نفوسهم وتكثر التخيلات والتخمينات وتجد الشائعات مرتعاً خصباً بينهم. وكثيراً ما يدفع القلق المستبد بالجنود إلى الهجوم المتعجل ليخلصوا من الانتظار المخيف.

وقد خسر الأميركيون كثيراً من الجنود بهذه الطريقة في أثناء قتال الغابات مع اليابانيين في الشرق الأقصى.

والوسائل النفسية أو الحربية هذه تستخدم في العصر الحديث في كثير من المجالات خلافاً للمجال الحربي أو العسكري؛ منها الانتخابات، وكسب المباريات الرياضية، وفي مجال الصناعة والتجارة والسياحة والاقتصاد عموماً وفي المجالات التربوية والتنموية.

وتستهدف الحرب النفسية إضعاف القدرة القتالية للخصم، وخفض معنوياته، وتشكيكه في عدالة قضيته، وفي الوقت نفسه العمل على رفع الحالة المعنوية للطرف الذي يشن الحرب النفسية، وكذلك رفع قدرته القتالية، وزيادة قدرته على النضال والصمود والتضحية والبذل والعطاء.

وينجم عن تغيير المشاعر والميول والاتجاهات والآراء والمعتقدات والأفكار، تغيير السلوك، وهو الهدف الرئيس من هذه العملية، حتى يقتنع الخصم بالهزيمة وبأنه لا جدوى من الاستمرار في الحرب، وأن الاستسلام هو الحل الوحيد.

يقول المخطط العسكري الصيني «صن تزو»: “إن أعظم درجات المهارة هي تحطيم مقاومة العدو من دون قتال” فالهزيمة حالة نفسية مداها الاقتناع بعدم جدوى المقاومة أي الاستسلام والتوقف عن الحرب. والحرب وسيلة من وسائل إقناع الخصم بالهزيمة فإذا اقتنع بالهزيمة وبعدم جدوى المقاومة تحقق الهدف من الحرب.

وقد نوه القادة والزعماء كذلك بأهمية الحرب النفسية وأثرها في إدارة الصراع ومن نتائجه، فمن ذلك قول القائد الألماني روميل «إن القائد الناجح هو الذي يسيطر على عقول أعدائه قبل إبادتهم».

وإذا أمكن إقناع الخصم بالهزيمة بوسيلة غير الحرب المسلحة لم يعد هناك داع لها. ومن هنا فإن العدو في الحرب يسعى إلى تحقيق هذا الهدف مستخدماً وسائل شتى منها الدبلوماسية والدهاء والعبقرية في الدعاية والإعلام، إلى جانب قواته الجوية والبرية والبحرية، وكذلك مخترعاته واكتشافاته العلمية والتكنولوجية. بل يستخدم أيضاً إمكاناته الاقتصادية. وفوق ذلك تهديده باستخدام ميكروباته وجراثيمه. والقصد من كل هذا هدف واحد هو إقناع الخصم بالهزيمة.

وتعتمد الحرب النفسية على التأثير في اتجاهات الآخرين وآرائهم، ويتوقف تأثيرها أو نجاحها على عدد من العوامل، من بينها أن يكون مصدرها محل ثقة المجتمع المستهدف، كما تتوقف على مقدار الحرب المضادة، أو الدعاية المضادة وقوتها التي تقابلها وتعارضها وتفندها وتدحضها، وتوضح عدالة القضية ومشروعيتها، وتستخدم المؤثرات النفسية في تقوية القدرة وعزيمة مجتمع ما على شن الحرب والانتصار فيها، وتؤثر أكثر ما تؤثر في الحالة المعنوية، وتستهدف نمو الشعور بالثقة في الذات، وزيادة قوة الحماس والدافعية والاستمرار في العمل نحو تحقيق الأهداف والشعور بالسعادة والفرح والمرح والثقة في الجماعة خصوصاً، وتدعيم دور الفرد في الجماعة، وتنمية روح الولاء للجماعة والإخلاص لها والاستعداد للمجاهدة في سبيل الأهداف الجماعية. وتساعد على زيادة تماسك الجماعة ووحدتها وتساندها وتضامنها والإقبال على الحياة.

في الوقت الراهن، اتسعت آفاق استخدام الحرب النفسية لتطبق في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع، ولم يعد استخدامها قاصراً على الحقل العسكري، وذلك بقصد الإقناع، والتأثير في الحالة المعنوية، وفي المجالات الفنية والرياضية.

وتستهدف هذه العملية؛ تعديل آراء الناس بإرسال رسائل لهم عبر وسائل الاتصال الاجتماعي، وتقتصر الحرب الدعائية على إبراز وجهة نظر واحدة من الموضوع، أو من القضية المطروحة من دون عرض وجهة النظر المعارضة.

وتمارس الحرب النفسية تأثيرها وهي مختفية أو بصورة مقنعة ومستترة وغامضة، فلا تظهر سافرة أو علنية، فقد تستتر وراء شائعة أو قصة أو حادثة أو خبر أو رواية أو مسرحية أو حتى موقعة «عسكرية مسرحية» يراد بها الحرب النفسية والتأثير في أعصاب الخصم، مثل احتلال موقع صغير للعدو لا توجد به قوات عسكرية كبيرة، أو احتلال جزيرة صغيرة واستخدام هذا الاحتلال كنوع من إظهار القوة والبأس.

ويدخل ضمن المناهج التي تستخدمها الحرب النفسية عملية «غسيل الدماغ» وغير ذلك من وسائل الإقناع لتعديل محتويات عقل الفرد أو مفاهيمه وتصوراته وأفكاره ومعتقداته.

مبادئ الحرب النفسية الناجحة

* تقديم أفكار أو حقائق جديدة بالنسبة إلى المستمع أو المستهدف، أو استغلال هذه الحقائق وتوظيفها لخدمة أغراض مصدر الحرب النفسية مع انتقاء الأفكار التي يحتمل أن يقبلها الخصم، وعدم استعمال الأفكار التي من المتوقع أن يرفضها، ولذلك لابد لمن يشن حرباً نفسية ناجحة من دراسة اتجاهات المجتمع المستهدف ومعرفة ميوله وحاجاته وعقائده وعناصر ثقافته كافة.

* الاعتماد على التكرار مع التنوع حتى لا يؤدي إلى الشعور بالملل ومن ثم رفض الرسالة، بل التكرار مع التشويق واستخدام وسائل الجذب.

* تقديم المكافآت أو التعزيزات للجمهور المتلقي.

* خلق حالة من الغموض وحب الاستطلاع لدى الخصم، بحيث تأتي الرسالة كإشباع أو إجابة عن هذه الحاجة، وخفض حالة التوتر التي تنجم عن الحرمان من المعرفة بالحقيقة، ذلك لأنه في جو الغموض وحده تنتشر الشائعات ويقبلها المجتمع لإشباع الحاجة إلى المعرفة.

* ضرورة توافر الصدقية في مصدر الرسالة، حتى يصدقه ويثق فيه الجمهور المستهدف، فإذا عرف المجتمع المستهدف أن إذاعة معينة كاذبة وتروج الشائعات؛ انصرفوا عنها.

* يفضل أن يتمتع مصدر الرسالة بالجاذبية والقبول لدى الجمهور المستهدف، فالشخص المكروه لا يقبل الناس على الاستماع إليه، وإن استمعوا إليه لا يصدقونه، ولذلك تستخدم الشخصيات المحبوبة أو المقبولة أو المرموقة.

* البعد عن الرسائل أو الأفكار التي تتعارض مع عموميات ثقافة المجتمع، كالدين أو المساس بالمقدسات أو العادات الراسخة، حتى لا يرفضها الخصوم.

* تستهدف الدعاية زعزعة قضية الخصم وتشكيكه في عدالتها وصحتها.

* إبراز نواحي الفقر والحرمان والعوز والجوع، والإشارة إلى معاناة الخصم من مشكلات، مثل؛ البطالة، وانخفاض مستوى المعيشة والصحة والتعليم.

* خلق صورة براقة ومشرقة عن حالة المجتمع المعادي في حالة استسلامه وتوقفه عن الحرب وقبوله الهزيمة.

* مخاطبة عواطف الناس ووجدانهم وانفعالاتهم أكثر من مخاطبة العقل والمنطق.

* إثارة الخوف والفزع والرعب في نفوس الخصوم بالمبالغة والتضخيم في القوات المسلحة، وتوجه المدمرات، البوارج، حاملات الطائرات، المدرعات، أسراب الطائرات المقاتلة والقاذفة

وللحرب النفسية تاريخ طويل، فقد كان أول من استخدم هذا المصطلح المحلل العسكري البريطاني «ج.ف.س. فوللر» عام 1920م، ولم ينتشر استعمال هذا المصطلح في الولايات المتحدة الأميركية إلا في 1940م.

وفي أثناء الحرب الكورية؛ أنشأت الولايات المتحدة الأميركية قسماً خاصاً بالحرب النفسية، أطلقت عليه اسم مكتب رئيس الحرب النفسية (The office of the chief of psychological warfare) كما أنشأت مدرسة لتدريب العسكريين على فنونها ومناهجها دفاعاً وهجوماً.

ولأهمية الحرب النفسية فقد أنشأ لها هتلر وزارة خاصة بالدعاية والتنوير أو الإرشاد (The Ministry of Popular Enlightement and Propaganda) وعين وزيراً لها هو جوزيف جوبيل (Joseph Goebbels) واستخدما ما نطلق عليه اليوم الطريق السطحي في الإقناع من أجل إقناع الجمهور المستهدف من دعايتها.

وفي بعض الأحيان كانا يخاطبان عواطف الناس، كما اعتمدا على تكرار إطلاق بعض الشعارات، ولم تكن هذه الدعاية تهتم كثيراً بالمبادئ الأخلاقية محتجاً في ذلك بأن النصر هو أهم الأهداف وهو الانتصار الكاسح، كما كانت تذهب إليه دعاية النازية، ولكن في واقع الحال انتهت بهزيمة منكرة لألمانيا ومن معها من دول المحور (إيطاليا واليابان).

ومن المبادئ المستخدمة في الدعاية الألمانية:

– الاعتماد على غربلة المادة المراد إرسالها أو تصفيتها، بحيث تحقق الهدف النفسي منها، ومؤدى ذلك أنه لا يلزم بالضرورة سرد الحقائق كلها، أو كما هي في الواقع، بل إن الواقعة الواحدة يمكن تجزئتها واستقطاع جزء واحد منها واستعماله.

ولقد تمكنت النازية من تحقيق ذلك بعد سيطرتها على أجهزة الإعلام الجماهيرية أو وسائل الاتصال الجماهيرية، وتشمل الآن الإذاعة والتلفاز والصحف والمجلات والدوريات والسينما والمسرح والمعارض والمهرجانات، بحيث لا يصل إلى الناس -سواء في الداخل أو في الخارج- إلا المعلومات «المفلترة» أو المنقاة أو المصفاة والمختارة خصيصاً لتحقيق الأثر النفسي.

وسيراً في طريق السيطرة على الصحافة كان يتم اختيار الصحافيين بدقة شديدة من أصحاب الولاء للفكر النازي، وكانوا يخضعون للعقاب أو نيل الثواب والجزاء بصورة منتظمة بناء على جهودهم في خدمة النازية أو السماح لبعضهم بالاطلاع على بعض الحقائق أو القصص، وكانت صورة شائعة عن الشخصية النازية تصفها بالجسارة والشجاعة والإقدام عن طريق عرض الشعارات والملصقات ذات القدرة العالية على جذب الانتباه، وكانت الرسائل الموالية للنازية تمتزج مع برامج التسلية الشيقة والمشهورة.

– تعمد إقناع الناس بأن إنجلترا تعاني أزمة اقتصادية طاحنة، ومن القلاقل السياسية، أو عدم الاستقرار السياسي. وعرض الأفلام التي توضح اتفاق الشعب مع «هتلر» وسياسته.

– خلق صورة من مشاعر العظمة والسمو لدى الشعب الألماني، ومن أجل تحقيق هذا الغرض تم بناء استديوهات كبيرة، واستخدمت لعقد اللقاءات والمقابلات بين الناس لإقناع الناس بأن للنازيين أصولاً ثقافية عريقة وقوية في الماضي، وذلك لإقناع الناس بقوة النازية.

– تكوين جماعات من الشبيبة موالية لـ«هتلر» يدينون بالولاء للنازية، وكانوا يتميزون بارتداء القمصان البنية اللون شعاراً لهم.

– الاستفادة من حالة الخوف والإحباط التي ترتبت عن خوض ألمانيا الحرب العالمية الأولى، التي تركتها تعاني أشد المعاناة صعوبات اقتصادية، وشعور الناس بعدم الأمان حول المستقبل، ولذلك ابتكر «هتلر» فكرة؛ أن اليهود هم الذين تسببوا في امتصاص الاقتصاد الألماني ومصادره أو منابعه، وبذلك لفظ المجتمع الألماني اليهود بينما توحد الشعب الألماني معاً.

– استخدام الراديو في أثناء الحرب العالمية الثانية، من طرفي النزاع على حد سواء، بقصد إضعاف معنويات العدو، واستخدم النازي بعض الخونة من الإنجليز في الإذاعة، كما استخدمتهم اليابان لهذا الغرض، تم استخدام هذه الإذاعات والبرامج الإذاعية إلى جانب إسقاط المنشورات والكتيبات والأوراق والصور من الطيران.

– الأقلية الألمانية في البلد المستهدف تم القبض عليهم وتوجيه الاتهامات لهم، وأن الجيش الألماني يقف على أهبة الاستعداد للرد الصارم على ذلك، مثل هذه الدعاية أو حرب الأعصاب هذه كانت تستهدف إضعاف العدو، وجعله في حالة من الحيرة والتردد والانقسام على نفسه.

– تصوير «هتلر» في صورة الأب العطوف والقائد الكفء والمحارب الفذ، وأن كل مشكلات الأمة تجد حلها في الالتفاف حول هذا القائد العسكري الخبير، فكانت صورته كالأب المتواضع، وأن الشعب كله يقف من ورائه

واستخدم الحلفاء مناهجهم في الحرب النفسية والدعائية ضد دول المحور التي ركزت جهودها في مقاومة دعاية الأعداء، أو مكافحتها ولخفض معنويات القوات المسلحة الألمانية والإيطالية واليابانية، والنيل من معلومات المدنيين، وفي الوقت نفسه كانت تعمل هذه الدعاية لتقوية الروح المعنوية في الداخل، وتقوية الدوافع نحو الحرب.

ولذلك فإن الحرب النفسية هي سمة أساسية من سمات كل الحروب الحديثة، ولقد استخدمت بتوسع في الحروب الحديثة، مثل حرب فيتنام، والحرب الكورية، وحرب جزيرة الفوكلاند، وفي حرب الخليج، والحرب في يوغسلافيا، وأخيراً؛ حرب أفغانستان، ضد حركة طالبان، والحرب ضد العراق.

من المعروف أن للحروب نتائج مأسوية كثيرة في سفك الدماء، وقتل الأبرياء، وحصد الأرواح، وتدمير الممتلكات، وهدم ما بناه الإنسان من معالم حضارية، والعودة إلى المراحل البدائية، ولذلك توصف الحرب بأنها سلوك انتكاصي أو نكوصي يرتد فيه الإنسان إلى الوراء في مدارج الحضارة، ولكن لا نعرف على وجه التحديد كم تسهم الدعاية في إنقاذ حياة الناس أم في قتلهم.

هناك حاجة إلى إجراء الدراسات الإحصائية والميدانية العلمية والدقيقة للتعرف إلى عدد الأشخاص الذين يتم إنقاذ حياتهم أو وفاتهم بسبب الحرب النفسية وحدها، وهل هي خير أم شر؟.

أحياناً؛ يتم التغرير بسكان مدينة معينة بأنها ستهاجم من ناحية الشرق -مثلاً- فتتجه أعداد غفيرة منهم هرباً في اتجاه الغرب، وهناك يكمن لهم العدو ويقضي عليهم، فالدعاية قد تكون خادعة ومضللة وتؤدي إلى الفتك بمزيد من الأرواح.

وبعد انتهاء الحروب فإن الدعايات التي تتضمن في الغالب أكاذيب ومعلومات مغلوطة لا يتم تصويبها، ولكن لا يعرف كم من الآثار تبقى من هذه الدعاية في أذهان الناس وفي مشاعرهم، ربما تبقى بعض الرسائل مترسبة في نفوس هؤلاء، تبقى لكي تظهر إذا ما بدأ صراع جديد بين الأطراف نفسها.

ويذهب بعض علماء النفس إلى القول إن أساليب الإقناع قد تكررت وكثر استعمالها لدرجة أن الناس أصبحوا لا يتأثرون بها، ولم تعد ذات فاعلية لديهم، من ذلك عدم اهتمام الناس بالذهاب إلى صناديق الانتخاب مهما سمعوا من دعاية عن أهمية الانتخابات ونزاهة المرشحين، أو التبرع لبعض جمعيات الإحسان، أو جودة سلعة معينة، أو الإعلان عن شقق بعمارات فاخرة، فكثرة الإعلانات الكاذبة أكسبت الناس حصانة ومناعة ضد قبول الدعايات المتكررة، ولذلك لابد من انتهاج مناهج جديدة في إقناع الناس وإخضاع هذه الأساليب للقانون وللقيم الأخلاقية لحماية الناس من النصب والاحتيال، ربما لأن الواقع الفعلي أكثر قوة وصدقاً من كل أساليب الدعاية.

والحقيقة أن أجهزة الإعلام كثيراً ما تعطي صورة خاطئة عن العالم كله أو على القليل عن بعض القضايا، ومن أمثلة ذلك القضية العربية كما تظهر في الإعلام الغربي، وبالمثل صورة الإسلام والجمعيات الإسلامية الخيرية أيضاً في الإعلام الغربي وصورة الشخصية العربية والإسلامية.

وللتلفاز تأثير كبير في هذا الصدد، فقد يظهر المجتمع على أنه عنيف بصورة أكثر مما هو عليه في الواقع، وقد يصور مجتمعاً ما على أنه غارق في الترف والرخاء، ما يتطلب من متلقي الرسالة الفحص والتمحيص والدقة في قبولها أو رفضها باستخدام العقل والمنطق وليس العاطفة والانفعال والوجدان.

ويميل الناس إلى قبول الدعاية التي تسبب لهم الشعور بالسعادة أكثر من تلك التي تسبب لهم الشعور بالقلق، أو الضيق والحزن واليأس، فالدعاية الوردية التي تبعث على الأمل يقبلها الناس، كتلك الدعاية التي تشير إلى قرب انتهاء الحرب أو قرب موعد النصر النهائي، أما الدعاية التي تثير الخوف والرعب والهلع والفزع والقلق والضيق والتشاؤم فتسمى بالدعاية السوداء، التي ينفر منها الجمهور المستهدف.

استخدام المنهج العلمي

في الحرب النفسية

على الرغم من وجود محاولات قليلة في استخدام الحرب النفسية والدعاية قبل الحرب العالمية الأولى، إلا أن الدعاية أصبحت عنصراً رئيساً من عناصر الحرب في أواخر الحرب العالمية الأولى، مستخدمة المنهج العلمي وتقنيات العلم الحديث.

لكن هذا الاتجاه لم يصل إلى إنجلترا إلا في صيف 1918م حيث تم إنشاء قسم خاص للرد على دعاية العدو، كما تكونت لجنة قومية لهذا الغرض، وتشكلت من أعضاء من إنجلترا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وإيطاليا.

في الولايات المتحدة الأميركية أنشأ الرئيس الأميركي ودرو ولسون (Woodrow Wilson) لجنة للمعلومات العامة في 1917م، تلك اللجنة التي استطاعت الاستفادة من المعلومات والخبرات المطبقة في الدعاية التجارية، ومن فنون الإعلان المختلفة المعروفة في ذلك الوقت؛ كي تشن دعايتها إلى كل من المجتمع الأميركي في الداخل وللأجانب المشاهدين والمستمعين في الخارج.

إن الدعاية والإعلام وحرب المعلومات من أهم الوسائل لتحقيق الحرب النفسية، وذلك من خلال الآتي:

* تعبئة الشعور بالكراهية والحقد والسخط وإثارتها وتوجيه هذه المشاعر نحو العدو، وخفض حالة العدو المعنوية وتثبيط همته. وإقناع أبناء المجتمع الداخلي بأحقية قضيتهم ومشروعيتها وعدالتها، ولتنمية الروح القتالية والاحتفاظ بهذه الروح.

* تنمية مشاعر الصداقة والود مع المجتمع الدولي، وغرس الاعتقاد بأن القضية التي يحاربون من أجلها هي حق، وإذا أمكن حثهم على تقديم المساعدة والتأييد والتعضيد وتعاونهم الفاعل والإيجابي والمثمر مع الدولة.

وأياً كانت المناهج المستخدمة في هذه الحرب الدعائية، فإن الفكرة الأساسية من الحرب النفسية كانت تنمية اتجاهات مؤيدة وقوية داخل المجتمع، وكذلك تنمية المشاعر والآراء والمعتقدات الموالية للدولة، مع تكوين اتجاهات معادية ومعارضة نحو الخصم بحسبانه كياناً خطيراً علينا وبحسبانه خارجاً عن أمتنا، أي صب المشاعر العدوانية على عدو خارج عن المجتمع.

والإنسان بطبعه يميل إلى الالتحام والالتصاق بجماعته عندما يواجه الإحباط أو الفشل أو الخطر أو القلق، والمجتمع يتوحد ويتماسك ويأتلف عندما تواجهه الأخطار الخارجية، ومؤدى ذلك أن الدعاية تستهدف تنمية مشاعر الحب ومشاعر الكره، ولا يوجد شيء أقوى من الحرب في كسر الحواجز الطبقية أو الطائفية والدينية وتنمية مشاعر الوحدة، ويؤدي ذلك إلى تنمية مشاعر الود والصداقة والتعاون داخل المجتمع الواحد والكيان الواحد، ذلك لأن مشاعر العدوان السابقة التي كانت توجه نحو الداخل، وكذلك مشاعر السخط أو الحنق أو النقد تخرج وتنطلق لتوجه إلى عدو خارجي أو خارج عن الذات.

ولذلك يلاحظ بوادر الانقسام بعد انتهاء الحرب، كما حدث في اتحاد الأمة الجزائرية والأمة الأفغانية ضد عدو خارجي ثم سرعان ما دب الخلاف بين رفقاء السلاح بعد انتهاء معركتهم من العدو الخارجي.

الإسلام والحرب النفسية

يحفل سجل فتوحات صدر الإسلام بعدد من الممارسات الميدانية للحرب النفسية وخصوصاً في أثناء نشر دعوة التوحيد، واعداد القوة التي ترهب الأعداء. يقول الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب مسيرة شهر” وذلك يفهم منه أن القصد هو إرهاب الأعداء وإخافتهم من عاقبة التعدي على بلاد الأمة. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «الحرب خدعة”.

ويجوز في الحرب الخداع والكذب وإرهاب الأعداء لتضليلهم ما دام ذلك لم يشمل نقض عهد أو إخلال أمان، وفى الخداع أن يخادع القائد الأعداء بإيهامهم أن عدد جنوده كثير، وعتاده قوة لا تقهر.

يفهم مما تقدم أن إظهار القوة للأعداء وإخافتهم وإيقاع الرهبة والرعب في قلوبهم يحقق النصر عليهم ويؤدي إلى تحقيق أهداف الرسالة الإسلامية أكثر من أي وسيلة أخرى من وسائل مواجهة الأعداء، إذ ينشأ لدى العدو اتجاه نفسي يسيطر على أفراده فيجعلهم يمتنعون عن استخدام قوتهم أو العدوان.

وتستمد القوة الإسلامية قدرتها على إيقاع الرهبة في قلوب العدو من القوة الشاملة والطاقة الهجومية وسرعة الحركة والمفاجآت والتأهب الدائم.

ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الحرب النفسية -وكما يراها خبراء علم النفس العسكري- هي استخدام مخطط من جانب دولة أو مجموعة من الدول للدعاية وغيرها من الإجراءات الإعلامية الموجهة إلى جماعات عدائية، أو محايدة أو صديقة؛ للتأثير في آرائها وعواطفها ومواقفها وسلوكها بطريقة تعين على تحقيق سياسة الدولة أو الدول المستخدمة واهدافها.

والحرب النفسية جزء أساسي من الحرب الشاملة، لذلك فهي تشن قبل الحرب وفي أثنائها وفي أعقابها. وهي لا تخضع لرقابة القانون ولا التقاليد الحربية، بل هي عملية مستمرة، وهي وسيلة بعيدة المدى ليس من الضروري أن يظهر تأثيرها مباشرة مثل المعارك الحربية، بل إن نتائجها قد لا تظهر إلا بعد شهور أو سنوات من تنفيذها.

طرائق التصدي للحرب النفسية

تدعيم الإيمان الحق، فالحرب النفسية لا تؤثر في المؤمن الحق؛ لأن العقيدة الراسخة المؤسسة على الإيمان الذي لا يتزعزع هي الركيزة العظمى لتحصين المجاهد ضد الحرب النفسية، فالمؤمن إيماناً كاملاً لا يخاف التهديد والوعيد ولا يرهب، وليس جباناً رعديداً كأولئك الذين يقول الله عنهم: {فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ}.

حارب الإسلام عوامل الضعف والهوان ونزعات الخوف وعدم الإيمان، وغرس في نفوس المسلمين خلق الشجاعة والتضحية والشهامة والاستهانة بزخارف الدنيا في سبيل نصرة الحق ومحبة الله ورسوله. يقول الله سبحانه وتعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}

ويتفق علماء النفس وخبراء الحرب النفسية على أن الحرب النفسية تؤثر بفعالية أكثر في الجنود الخالين من الإيمان الحق ومن العقائد الثابتة وذوي الوعي السياسي الضيق وغير المثقفين.

وفي التاريخ الإسلامي أمثلة كثيرة على قوة العقيدة في مواجهة الحرب النفسية للعدو، منها: أن قائد الروم في معركة اليرموك بعث إلى خالد بن الوليد برسالة تنطوي على التخويف والضغط النفسي وعلى أساليب التخذيل والدعوة إلى الاستسلام.

والحرب النفسية كما ذكرت في البداية تستهدف النيل من نفوس الجنود والمقاتلين ومعنوياتهم في ميدان القتال، كما تستهدف أبناء الشعب بمختلف فئاته من عمال وفلاحين ومثقفين، وهي بذلك أكثر اتساعاً وشمولاً من ساحة القتال، لذلك فان تأثيرها أكثر خطورة وأشد ضرراً، كما أنها لا تعتمد على المواجهة الصريحة بمثل ما يحدث في المعارك العسكرية، ولكنها تلجأ إلى أساليب خفية وملتوية ومقنّعة غير معروفة بالنسبة إلى غالبية الشعب.

قد تؤدي حملات الحرب النفسية إلى بلبلة أفكار أفراد الشعب، أو إلى شعورهم بعدم الثقة بالنفس، وإلى ضعف الروح المعنوية وانخفاضها والشعور باليأس وعدم إحراز الانتصار وإلى انتشار نزعات استسلامية وتيارات انهزامية.

وفي كثير من الأحيان تؤدي الحرب النفسية إلى انعدام ثقة الشعب في الهيئة الحاكمة، وعدم الثقة في قدرة القيادة السياسية والعسكرية، وعدم التفاف الشعب حول قادته، ولذلك كثيراً ما كانت تلجأ أساليب الحرب النفسية في الحرب العالمية الثانية إلى قول الحلفاء مثلاً إنهم لا يعادون الشعب الألماني وإنما يعادون هتلر وحده، وليس ذلك إلا وسيلة من وسائل تصديع قوة الشعب الألماني في ذلك الوقت وإثارته نحو الانفضاض من حول قائده هتلر.

هذه أمثلة لأهداف الحرب النفسية، أما وسائلها فمتباينة ولنتمكن من مقاومتها ودرء خطرها فلا بد من دراسة هذه الوسائل والأساليب التي يلجأ إليها العدو في حملات الحرب النفسية التي يشنها.

وتعتمد الحرب النفسية في المقام الأول على معرفة طبائع الشعب الذي ستوجه إليه حملاتها ولذلك تسعى إلى دراسة العقائد والميول والاتجاهات وأساليب تفكير هذا الشعب حتى يتسنى لها التأثير فيه والضرب على مواطن الضعف عنده، كما تلجأ أساليب الحرب النفسية إلى جمع المعلومات والأخبار التي تحدث فعلاً ثم تستغلها أو تغيرها كلية ثم تنشرها وتأولها تأويلاً مغرضاً يخدم أغراضها، كأن تثير الشعور بالهزيمة في نفوس الشعب، أو تخفض من معنوياته، أو تثبط من همته، أو تجعله يتكالب ويتهافت على جمع المؤن والمواد الغذائية وتخزينها، وذلك نتيجة لما تفشيه من أقوال عن احتمال حدوث مجاعات أو نضوب موارد الغذاء.

وليس من الضروري أن يكون للحرب النفسية أي سند من الحقيقة، فقد تختلق أبواق العدو القصص والأساطير وتعمل على إذاعتها بين صفوف الشعب معتمدة في ذلك على عدم تحصين عقول أفراده ضدها، فقد يذيع العدو عن نفسه أن له قوة لا تقهر، أو أن لديه أسلحة فتاكة سرية.

كما يعمل على إذاعة بيانات عسكرية عن وقوع معارك وإحرازه انتصارات باهرة فيها، ومن ذلك أيضاً ما كان يعمد إليه العدو الإسرائيلي دائماً من التبسيط من وطأة الخسائر المادية والبشرية التي تلحق به، وإصراره على التقليل من شأن الهجمات الفدائية الجريئة.

وفي كل ذلك تعتمد الحرب النفسية على إقناع الناس بما تذيعه من شائعات وتحاول أن تقنع الناس بصحتها، وتؤثر في نفوسهم وتوجه تفكيرهم، لذلك ينبغي أن تقابل هذه الإشاعات بمزيد من الحيطة والحذر؛ لأنها في الأغلب لا تكون بصورة مباشرة بل تكون دائماً في صورة خفية مستترة.

وتقع مسؤولية مقاومة الحرب النفسية على كل فرد من أفراد المجتمع ولكن للشباب دور طليعي في مواجهتها؛ لأن الشباب هو دعامة المجتمع وعدته وهو صاحب المصلحة الحقيقية في حاضر المجتمع ومستقبله.

وهنا تلخيص لأساليب مقاومة الحرب النفسية:

* عدم إذاعة الأخبار والمعلومات عن الظروف العسكرية والاقتصادية والاجتماعية للوطن لأن العدو يحاول جمعها والاستفادة منها، كما يجب الاحتفاظ بوجه خاص بأسرار الوطن حتى لا يلتقطها الأعداء.

* القيام بعمل إيجابي فعال في ميدان التوعية القومية وتفنيد الإشاعات المسموعة بالاستناد إلى الحجج والبراهين المنطقية والحقائق الملموسة الواقعية التي تحصن الشعب ضد سموم الإشاعات المغرضة التي يروجها الأعداء، بعقد الندوات مع إلقاء المحاضرات فيما يخص التوعية والإرشاد القومي.

* العمل على تنمية الشعور بالثقة بالنفس وكذلك الإيمان بالله وبالوطن فإن الثقة بالنفس أساس كل نجاح، كما أنها الدعامة القوية التي يقوم عليها صمود الشعب واستمرار نضاله، وغرس القيم الدينية والخلقية حتى لا تدع الفرصة لتسرب المبادئ الانهزامية.

* الدعوة إلى مواصلة الكفاح والصمود وعدم اليأس وحث الناس على المساهمة الإيجابية في المعركة كل في موقعه، فالعامل والموظف والفلاح كل يستطيع أن يضرب بمعوله في الإنتاج الذي يرتد أثره -ولا شك- على الجندي الرابض على خط النار، فإن الجهاد في الإنتاج لا يقل أهمية ولا شرفاً عن الجهاد في ساحة القتال.

* الاهتمام بالتدريب العسكري وكذا على أساليب الدفاع المدني؛ لأن التدريب من شأنه أن يبعث على الثقة بالنفس والاعتزاز بها، كما يقوي الإحساس بالقدرة على مواجهة الخطر، وتزكية روح المبادرة في المهاجمة وإلحاق الهزيمة به.

* التوعية المستمرة لأفراد الجيش بنوايا العدو وأهمية الدفاع عن الوطن، ويلاحظ أن أي نقص في الإعلام لجنودنا ما هو إلا مدخل للدعاية التخريبية للعدو.

* العمل على تنمية العلاقات الودية والصريحة بين القادة والمقاتلين حتى تسهل مكافحة دعاية العدو التخريبية، واستغلال جماعات الإعلام في الوحدات لمعاونة القائد في تنفيذ مهمات توعية الأفراد وهم أفراد منتقون من بين المقاتلين على درجة عالية من الكفاءة والذكاء والشجاعة، ويحظون بإعجاب زملائهم.

* بث الروح الهجومية لدى المقاتلين في أثناء التدريب، وكذا الانضباط العسكري وروح الفريق وهي عوامل فعالة لمكافحة الدعاية التخريبية للعدو.

خلاصة القول

إن الحرب النفسية لا تعرف حدود الزمان والمكان، فهي تمارس قبل الحرب لإعداد عقول الناس لها، وفي أثناء الحرب لرفع الحالة القتالية وزيادة الاعتقاد في عدالة القضية التي نحارب من أجلها، وبعد الحرب لتدعيم مكاسبها وترسيخها. وكذلك فإن الحرب النفسية ذات طبيعة مستترة، فهي تعمل في الخفاء ومن وراء ستار ولا تظهر بصورة علنية سافرة، وقد تمارس في شكل خبر، أو قصة، أو واقعة، أو رواية، أو مسرحية، أو شائعة.

هي لا تعرف الحدود الجغرافية؛ لأنها تمارس عبر الأثير، وتنطلق لتجوب العالم كله. وهي وإن كانت لا تستخدم الأساليب العسكرية إلا أن تأثيرها قوي في النيل من معنويات الخصم وعزيمته وإضعاف إرادته.

ولنجاح الحرب النفسية لا بد من اعتمادها على العلم والمنهج العلمي في إصدار الشائعات، ودراسة الاتجاهات وظروف المجتمع الذي توجه إليه، ومعرفة التربة التي يحتمل أن تنمو فيها الشائعات وتنتشر وتزدهر، وقد تلقى قبولاً إذا كانت تشبع حاجات الناس مع المعرفة بحقائق الأمور وأسباب الأحداث والوقائع، ولذلك تنتشر في جو الغموض، وحيث يحدث التعتيم الإعلامي عن تفسير الأحداث الجارية.

وفي الحروب المعاصرة: تحولت الحرب النفسية من وسيلة عرضية إلى أداة عسكرية رئيسة، وقيل إن الحرب النفسية كانت السلاح الذي كسب الحرب في أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية؛ بسبب استخدام الذعر الكامل والانهيار العصبي وحرب الإعلام، وعلى الرغم من انتهاء الحرب العالمية الثانية فما زالت الحرب النفسية مستمرة ممثلة في الحرب الباردة، وهي حرب أفكار وعقائد.

ومعنى ذلك أن الحرب النفسية ليست قاصرة على وقت الحرب أو الطوارئ، ولكنها سلاح يستخدم في الحرب والسلم معاً، وفي الحرب النفسية يحاول الخصم الاختفاء وراء الدين، أو الصحافة أو الإذاعة أو الأحداث أو الأصدقاء أو الفكاهات، وما إلى ذلك. ومعنى ذلك أن الحرب النفسية ليست مباشرة وليست وجهاً لوجه.

ويجب أن نضع في الحسبان -في عصرنا الحالي، وخصوصاً على المستوى القومي أو العربي- توجه الحرب النفسية لشغل العرب في معارك جانبية، وخلق الأزمات والصراعات الداخلية وباستغلال هذه الإحداث وتصعيدها، ومحاولة الدس واستخدام أبواق الدعاية في أشعال لهيبها، وكذلك استهداف النيل من الوحدة العربية والتشكيك في نوايا العرب، وفي إخلاصهم وفي التزاماتهم إزاء القضية العربية المصيرية، ومن ذلك إثارة روح الشك والريبة في نوايا العرب نحو بعضهم بعضاً. كذلك إشاعة خرافة التفوق الحضاري الإسرائيلي، فهم يزعمون أنهم أرباب الحضارة الغربية نفسها.

كما تتوجه لإشاعة الفرقة والانقسام بين صفوف الأمة، ونقصد هنا بالفرقة بوجه عام أي التفرقة بين الشعوب وحكوماتها، وبين الأمة وحلفائها، وبين القادة والجنود، وبين الأغلبية من السكان والأقليات، والتفرقة بين الأحزاب والطوائف وأرباب الشيع والمذاهب المختلفة، والتفرقة بين الجيش وبين المدنيين، وبين النساء والرجال، وبين الكبار والصغار، وبين الأجيال المختلفة، وتؤدي هذه التفرقة إلى تمزيق الجبهة الداخلية واستنفاد الطاقات في الخصومات والصراعات الداخلية.

وتوجه الحرب النفسية كذلك لإضعاف إيمان الشعب بعقيدته وأفكاره ومبادئه القومية والوطنية، وإثارة الشك في نفسه وفي شرعية قضيته، وزعزعة الأمل في النصر، وعلى ذلك فإنه يتخاذل ويسهل إقناعه بالهزيمة، كما تساعد على محاولة كسب جميع العناصر المعزولة في المجتمع لمصلحة الدولة المعادية حيث تشجع المعارضة والتمرد والتخريب في داخل البلاد.

 

وسوم