عسكرية - ثقافية - شهرية

إستراتيجية إدارة الأزمات والكوارث

بقلم: العميد(م)

د. محمد محمود نصيري

من يتابع الحوارات الدائرة حول فيروس كورونا وانتشاره سيجد من يعد الظاهرة عقابًا إلهيًا للبشرية لابتعادها عن الدين والأخلاق، وسيجد أيضًا من يعدها نتيجة لمؤامرة كونية ما (أميركية مثلًا لإضعاف الصين، أو صينية لإضعاف أميركا). وسنجد أيضًا من يحاول أن يكون علميًا وموضوعيًا ولا يتهم أحدًا، بل يرى الفيروس كارثة طبيعية مثل الزلازل والفيضانات، أي: حادث لا علاقة له بما يفعله البشر على الأرض من نشاط اقتصادي واجتماعي وبيئي.

ومن وجهة نظري أن وباء كورونا كارثة، وترتب عليها أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية، هذه الكارثة التي اجتاحت العالم أجمع، واختلفت عن الكوارث السابقة -التي اقتصرت على الدول التي ظهرت فيها الأزمة- أو الكارثة فقط، ولتردد الأقاويل والشائعات عن الفيروس أهو مصنع أم طبيعي فهذا لن يغير من الأمر شيء، إلى أن يفيق العالم من غفوته، ويستيقظ الضمير والأخلاق الإنسانية في توقف الحروب والمجاعات، وننظر إلى الإنسان الذي خلقه الله وفضله على الملائكة وأمرها أن تسجد له، هذا الإنسان خلقه الله لأعمار الأرض وليس لدمارها، فهذا التكريم الإلهي للإنسان من خلال تسخير كل ما في الأرض لمصلحته، يجعل العالم أن ينظر إلى إنسانية الإنسان ويتوقف عن الصراعات والطغيان، وتجنب الحروب.

فالعالم اليوم أحوج ما يكون إلى قيمة العمل الجماعي المشترك. فمشكلات العالم لا تخفى على أحد، وجراحه النازفة تُدمي قلوبنا جميعاً. ومؤخراً فإن بلادنا كان عليها أن تتصدى كذلك لأخطر تحديات العصر، وهي جائحة كورونا».

لذلك سأتناول في هذا المقال كيف نواجه الأزمات والكوارث، وكيفية إدارتها والتعامل معها وما تعريفها، ومراحلها وأسبابها، ثم موقف المملكة العربية السعودية من وباء كورونا.

مفهوم إدارة الأزمات

إن مفهوم إدارة الأزمات والكوارث مفهوم حديث نسبياً، خصوصاً من حيث تأصيله فرعاً ينتمي إلى علوم السياسة والإستراتيجية والإدارة، أما من حيث التطبيق فقد كان موجوداً منذ القدم، فالبشرية أفراداً ومجتمعات ودولاً، كانت ولا تزال تستنفر كل إمكاناتها وجهودها عندما تتعرض لأي أزمة أو كارثة.

بدأت الحاجة -في العصر الحديث- إلى علم مستقل يختص بالأزمات والكوارث وكيفية إدارتها ومواجهتها، يطلق عليه «علم إدارة الأزمات والكوارث» وهو علم مؤسس كغيره من العلوم على مجموعة من الأسس والمبادئ العلمية والمفاهيم الخاصة به. وهذا ما يجعله علماً مختلفاً في أساليبه وتطبيقاته، عن العلوم الإدارية الأخرى التي قد تختلط به.

فإدارة الأزمات والكوارث تهدف إلى التحكم في أحداث مفاجئة ومتفاقمة، والتعامل معها وتصنيفها ومواجهة آثارها ونتائجها، وهي إدارة تقوم على الدراسة والبحث، والمعرفة والتجارب المستفادة والتخطيط واستخدام المعلومات والبيانات كأساس للقرار السليم.

وعلى الرغم من أن حدوث الأزمات والكوارث قديم قدم التاريخ، إلا أن وعي متخذي القرار بأهمية إدارتها، لم يتبلور بعد إلا في السنوات الأخيرة، لتسارع الأزمات والكوارث وتنوعها واشتداد التحولات الفجائية الحادة في المواقف، وتلاشي حدود البعد الزماني والمكاني بين مواقع الأحداث وبين متابعيها، وتخلي الدول عن محليتها وتقوقعها وازدياد إحساس الكيانات كافة بأنها جزء من عالم أكبر وأوسع من عالمها الخاص المحدود بكيانها الذاتي.

كل ذلك دفع إلى السطح بشدة الإحساس بعالمية الأزمة والكارثة مهما كانت محليتها.

لقد أصبح اليوم استخدام المنهج العلمي أسلوباً للتعامل مع الأزمات والكوارث أكثر ضرورة وأكثر حتمية، ليس فقط لما يحققه من نتائج إيجابية، ولكن أيضاً لأن استخدام البديل غير العلمي له نتائج قد تكون مخيفة ومدمرة بشكل كبير. إضافة إلى أن الإدارة العلمية للأزمات والكوارث ضرورة حتمية ومسؤولية وطنية لمواجهة أوضاع الجمود والتحجر. ولخطورة موضوع الأزمات والكوارث وأهميته، وإدارتها ومعالجتها بالفكر المتقدم، وبغية لحاق الدول النامية بركب العالم المتطور لا بد من أن يتخذ كل مسؤول قراراته بعيداً عن العشوائية والارتجالية وانفعالات اللحظة الجزئية، وذلك بتطبيق التكنولوجيا المتقدمة في التعامل مع الكوارث والأزمات بحسبانها نقطة الانعطاف أو عملية تحول قد تكون إلى الأحسن أو إلى الأسوأ، وهي تحمل إمكانية الفرصة والخطر في آن واحد.

وتختلف المفاهيم والروئ في كل دولة ومجتمع، بحسب نظرتها للأزمة أو الكارثة، فهناك من يرى أن الأزمة حدث مفاجئ يسبب ضغطاً لصانع القرار، يستلزم مواجهة هذا الحدث بوسائل وأساليب علمية، تساعد على القضاء عليه قبل استفحاله، وهناك من يرى أن سبب حدوث الأزمة عدم توقعها برغم ظهور علامات وإشارات لحدوثها، أو الفهم الخاطئ أو التعامل الخاطئ مع أحداثها.

أما الكارثة فيختلف تعريفها بحسب حجمها وأضرارها المادية والمعنوية، فهناك من يرى أن حدوث واقعة مادية ينتج عنها وفيات وإصابات وخسائر مادية تعد كارثة، وهناك من يرى أن انتشار وباء أو مرض معد يسبب حالات وفيات يعد كارثة، وهناك من يرى أن حدوث خسائر مادية نتيجة إعصار مدمر أو حدوث حرائق يعد كارثة تستوجب تدخل الدولة أو المجتمع الدولي لتقديم المساعدة والتقليل من الأضرار.

تعريف الأزمة والكارثة

يمكن تعريف الأزمة على أنها موقف أو حدث أو مجموعة أحداث، متوقعة أو غير متوقعة، تتسم بالخطورة والعمق واتساع التأثير، ما يجعل من الصعوبة بمكان السيطرة على الأوضاع بالطرائق والأساليب والإمكانات المعتادة، بسبب تسارع الأحداث وحدتها ومجهولية التطورات، والارتباك وتزايد الخسائر المادية والمعنوية، والأثر السلبي على المصالح الأساسية، والأزمة قد تؤدي إلى كارثة.

أما الكارثة: فهي حدث مروع يصيب المجتمع بأكمله ويسبب دماراً واسعاً ومعاناة عميقة يؤدي لارتباك وخلل وعجز في سرعة الإعداد للمواجهة، وتعم الفوضى في الأداء، ويحدث تضارب في الأدوار على مختلف المستويات، والكارثة قد تؤدي إلى أزمات.

ولكليهما أسلوب إدارة واحد وهو إدارة الأزمات والكوارث، ونعني الاستعداد لما قد لا يحدث والتعامل مع ما حدث.. ولا يخفى على متابع سير الأحداث وخصوصاً السياسية منها ما للأزمات والكوارث -بكل أنواعها- من دور في تاريخ الشعوب والمجتمعات سواء على صعيد الهدم أو البناء.

وقراءة متأنية لدور الأزمة أو الكارثة -بشكل عام- تفضي بنا إلى تلمس خيط يقودنا إلى حقيقة مفادها أن المجتمعات التي اعتمد الهرم القيادي فيها على فرق خاصة، وكفاءة في التعامل مع الأزمات والكوارث كانت أصلب عوداً وأكثر على المطاوعة والاستمرار من قريناتها التي انتهجت أسلوباً مغايراً يتمثل بالتصدي المرتجل والتعامل بطرائق غير مدروسة سلفاً مع بؤر الصراع والتوتر، ما أدى بالتالي إلى ضعفها وتفككها.

فالأزمات والكوارث ظاهرة ترافق سائر الأمم والشعوب في جميع مراحل النشوء والارتقاء والانحدار. ففي ثنايا الأحداث التاريخية الكبرى نجد أنه بين كل مرحلة ومرحلة جديدة ثمة أزمة أو كارثة تحرك الأذهان وتشعل الصراع وتحفز الإبداع وتطرق فضاءات بكر تمهد السبيل إلى مرحلة جديدة، وكان لنمو المجتمعات واتساعها ونضوب الموارد المتنوعة وشدة المنافسة السياسية والاقتصادية الكلمة الفصل في طول حياة الأزمات والكوارث إلى حد أصبح تاريخ القرن السابق -على سبيل المثال- يشكل سلسلة من أزمات وكوارث تخللتها مراحل قصيرة من الحلول المؤقتة، ومن هنا فقد نشأت أفكار جدية من أجل دراسة الأزمة أو الكارثة وتحليلها ومحاولة الخروج منها بأقل الخسائر.

عادة تصنف الأزمات والكوارث على عدة أسس، من أهمها طبيعة الأزمة أو الكارثة ودائرة تأثيرها وحدتها وعمقها وأسبابها وإمكانية توقعها واكتشافها، ومنعها من عدمه، ومتطلبات مواجهتها وغيرها من الأسس.

فمن حيث المبدأ هناك الأزمات والكوارث التي هي من صنع الإنسان، ومنها التي تنشأ من عوامل الطبيعة، وهناك كوارث يترتب عليها أزمات سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية. وهناك الأزمات والكوارث المتوقعة والتي يصعب توقعها، وهناك أزمات وكوارث متكررة وغير متكررة، وهناك أزمات وكوارث عنيفة وأخرى هادئة، وهناك أزمات وطنية ودولية.

وقد ذكر ستيف ألبرت (Steve Albert) في كتابه إدارة الأزمات ست سمات تميز الأزمة هي:

  • المفاجأة: وتعني أن الأزمات تحدث من دون سابق إنذار، بل بشكل مفاجئ.
  • نقص المعلومات: وتعني عدم توافر معلومات عن المتسبب بهذه الأزمة، ويعود السبب إلى النقص في المعلومات، وخصوصاً إذا كانت تحدث أول مرة.
  • تصاعد الأحداث: عند حدوث الأزمات تتوالى الأحداث لتضيّق الخناق على أصحاب القرار.
  • فقدان السيطرة: جميع أحداث الأزمة تقع خارج نطاق القدرة وتوقعات أصحاب القرار فتفقدهم السيطرة والتحكم بزمام الأمور.
  • غياب الحل الجذري السريع: فالأزمات لا تعطي مهلة أو فرصة لصاحب القرار حتى يصل إلى حل متأن، بل بسرعة لا بد من الاختيار بين عدد محدود من الحلول واختيار أقلها ضرراً.

وتمثل الأزمة أو الكارثة نقطة تحول جوهري ينطوي على درجة من الغموض وعدم اليقين. وتتطلب قرارات مصيرية لمواجهتها أو لحسمها. وتسبب حالة عالية من التوتر العصبي والتشتت الذهني وذلك لانطوائها على عنصر المفاجآت. وتتطلب الأزمة أو الكارثة معالجة خاصة، وإمكانات ضخمة.

وللأزمة أو الكارثة مراحل تمر بها وتحدد هذه المراحل عنصراً أساسياً وضرورة أكيدة لفهم مسارها وتحديد أبعادها بشكل دقيق.

ونرى أن مراحل الأزمة أو الكارثة كما يأتي:

مرحلة ما قبل الأزمة أو الكارثة

يطلق عليها مرحلة التحذير أو الإنذار المبكر، حيث الجهات المسؤولة عن إدارة الأزمات والكوارث لديها خريطة وتعليمات مستدامة لكل الأزمات والكوارث المتوقع منها وغير المتوقع ظهورها، وعندها الحل لمواجهة أي أزمة أو كارثة، وذلك بناء على طرائق العمل التي تم إعدادها سابقاً، وتم عمل التجارب عليها.

مرحلة ظهور الأزمة أو الكارثة

تبدأ الأزمة أو الكارثة الوليدة في الظهور أول مرة في شكل إحساس مبهم ينذر بخطر غير محدد المعالم، ويعود هذا الأمر أساساً إلى غياب كثير من المعلومات حول أسبابها، وتطوراتها أو المجالات التي ستخضع لها، وتحتاج هذه المرحلة من الجهات المسؤولة إلى توافر متطلبات أساسية لمواجهتها والقضاء عليها قبل أن تنمو بشكل أكبر.

ولعل من أبرز هذه المتطلبات القوة وحسن إدراك الجهات المسؤولة في إفقاد الأزمة أو الكارثة لمرتكزات النمو، ومن ثم القضاء عليها في هذه المرحلة أو إيقاف نموها مؤقتاً من دون أن تصل حدتها إلى مرحلة الصدام.

مرحلة نمو الأزمة أو الكارثة

تنمو الأزمة أو الكارثة في حالة حدوث سوء الفهم لدى الجهات المسؤولة في المرحلة السابقة حيث تتطور من خلال المحفزات الذاتية والخارجية التي استقطبتها الأزمة أو الكارثة وتفاعلت معها، ولم تتمكن الجهات المسؤولة من إيقافها، إما لشدة المفاجأة وإما لسرعة انتشارها وإما لسوء فهم من قبل هذه الجهات، وإما لشيء جديد لم يحدث من قبل.

مرحلة تطور الأزمة أو الكارثة

تعد من أخطر مراحل الأزمة، إذ تتطور الأزمة من حيث الحدة والجسامة نتيجة سوء التخطيط أو ما تتسم به خطط المواجهة من قصور أو إخفاق.

فعندما يكون هناك تقصير من الجهات المسؤولة أو تتضارب الآراء والقرارات أو سوء فهم، فإن الأزمة أو الكارثة تصل إلى مراحل متقدمة حيث تزداد القوى المتفاعلة في المجتمع التي تغذي الأزمة أو الكارثة بقوى تدميرية بحيث يصعب السيطرة عليها ويكون الصدام في هذه المرحلة محتوماً.

مرحلة انحسار الأزمة أو الكارثة

تبدأ الأزمة أو الكارثة بالانحسار والتقلص بعد الصدام العنيف الذي يفقدها جزءاً مهماً من قوة دفعها ويجعلها تختفي تدريجياً. غير أن بعض الأزمات أو الكوارث تتجدد لها قوة دفع جديدة عندما يفشل الصراع في تحقيق أهدافه. لذلك ينبغي أن يكون لدى الجهات المسؤولة بعد نظر في مرحلة انحسار الأزمة أو الكارثة قصد متابعة الموقف من جوانبه كافة.

هذا الأمر يسمح بتجنب ظهور عوامل جديدة تبعث في الأزمة أو الكارثة الحيوية وتجعلها قادرة على الظهور والنمو مرة أخرى بعد اختفائها التدريجي.

مرحلة تلاشي الأزمة أو الكارثة

تصل الأزمة أو الكارثة إلى هذه المرحلة عندما تفقد بشكل كامل قوة الدفع المولدة لها أو لعناصرها، حيث تتلاشى مظاهرها وتأثيراتها.

وتمثل هذه المرحلة آخر مراحل تطور الأزمة التي تصل إلىها بعد انحسارها وتقلصها التدريجي.

كما أن هناك أسباباً لنشوء الأزمات أو الكوارث، فلكل أزمة أو كارثة ملامحها الخاصة، وأسبابها الخاصة، ولعل دراسة أزمة أو كارثة وتحليلها كل على حدة تعد الوسيلة الفعالة لتحديد أسبابها المباشرة وغير المباشرة. بيد أن ذلك لا يمنع من محاولة إيجاد مقاربة عامة لأهم الأسباب المولدة للأزمات أو الكوارث.

  • أسباب مرتبطة بالعنصر البشري

الأسباب المتعلقة بالعنصر البشري تعني أساساً جملة الأسباب التي ترتبط بشخص معين أو مجموعة محدودة من الأشخاص الذين يؤثرون بقراراتهم أو سلوكهم في عمل المنظمة ما يعجل بظهور الأزمات أو الكوارث وتفاقمها.

من بين هذه الأسباب، يمكن ذكر ما يأتي:

* سوء الفهم: الأزمات الناجمة عن سوء الفهم تكون دائماً عنيفة، إلا أن مواجهتها تكون سهلة، وخصوصاً بعد تأكد سببها الذي غالباً ما يرجع إلى المعلومات الناقصة، أو التسرع في إصدار القرارات، ولذلك تتضح أهمية الحرص على الدراسة الكاملة للمعلومات، قبل إصدار القرار.

* عدم استيعاب المعلومات بدقة: حيث يشترط اتخاذ القرارات السديدة، واستيعاب المعلومات وتفهمها بصورة صحيحة، إذ إن الخطأ في إدراكها وتداخل الرؤية سيكونان سبباً لنشوء أزمات وكوارث عنيفة للدولة بسبب انفصام العلاقة بين ذلك الكيان والقرارات المتخذة.

* الأخطاء البشرية: هي أحد أسباب نشوء الأزمات، سواء كانت في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وقد تكون عاملاً من عوامل نشوء كارثة تتوالد منها أزمات كثيرة.

  • أسباب إدارية: وتعد الأسباب الإدارية من بين أهم الأسباب القائمة وراء نشوء الأزمات وتطورها. وتعني عموماً مجموعة الأسباب المرتبطة بالجهات المسؤولة مباشرة عن الأزمة. من بين هذه الأسباب الأكثر شيوعاً:

– ضعف الإمكانات المادية والبشرية للتعامل مع الأزمات والكوارث.

– تجاهل إشارات الإنذار المبكر المشيرة إلى إمكانية حدوث أزمة أو كارثة، أو احتمال ذلك.

– عدم وضوح الرؤية وعدم وضع خطط مناسبة لمواجهة تحديات المستقبل.

أسباب خارجة عن إرادة

الجهات المسؤولة

هذه الأسباب لا ترتبط أساساً بالعنصر البشري أو الإداري، بل تأتي عادة من مصادر خارجية مثل:

– الكوارث الطبيعية: وهي أحد أسباب نشوء الأزمات والكوارث، مثل الزلازل والبراكين والفيضانات والأوبئة وغيرها من الكوارث، التي يصعب التنبؤ بها والتحكم في أبعادها، وعادة ما يكون لها تداعيات سلبية على أداء الجهات المسؤولة.

– الشائعات: وهي من أهم مسببات الأزمات والكوارث وبواعثها، بل قد تكون مصدرها الأساسي، إن وظفت مقترنة بعدة حقائق ملموسة وبأسلوب متعمد ومضلل وفي توقيت ملائم وفي إطار بيئة محددة.

– تضارب المصالح بين الدول: يعد تضارب المصالح وتباينها بين الدول من الأسباب الرئيسة لنشوء الأزمات. فإذا تضاربت المصالح لأسباب سياسية أو اقتصادية، برز الدافع إلى نشوء الأزمة أو الكارثة، إذ ستعمل كل دولة على خلق الأزمات للدولة الأخرى، ويسعى كل منهما في استمرار استفحالها وضغطها على الجانب الآخر. وعلى الرغم من أنها قد تضر بكلا الطرفين، إلا أن كلاً منهما يسعى إلى أن يكون إضرارها بالآخر أشد.

كما أن للأزمات متطلبات حتى يمكن إدارتها نذكر منها:

التخطيط للأزمات والكوارث

التخطيط متطلب أساسي مهم في عملية إدارة الأزمات والكوارث لأن أفعالنا ما هي إلا رد فعل، وشتّان ما بين رد الفعل العشوائي ورد الفعل المخطط له، فإن لم يكن لدينا خطط لمواجهة الأزمات والكوارث فإن الأزمات والكوارث ستنهي نفسها بالطريقة التي تريدها هي لا بالطريقة التي نريدها نحن.

ومن خلال ما تقدم يتضح لنا أن التدريب على التخطيط للأزمات والكوارث يعد من المسلّمات الأساسية في الدول الناجحة فهو يساهم في منع حدوث الأزمة أو الكارثة أو التخفيف من آثارها وتلافي عنصر المفاجآت المصاحب لها. أيضاً يتبين لنا أن التخطيط يتيح لفريق عمل إدارة الأزمات والكوارث القدرة على إجراء رد فعل منظم وفعّال لمواجهة الأزمة أو الكارثة بكفاءة عالية الاستعداد لمواجهة المواقف الطارئة غير المخطط لها التي قد تصاحب الأزمة أو الكارثة.

نظام اتصالات داخلي وخارجي

إن أهمية وجود نظام اتصالات داخلي وخارجي فعّال يساعد على توافر المعلومات والإنذارات في وقت مبكر. حيث قد انتشرت تكنولوجيا نظم المعلومات الجغرافية انتشاراً واسعاً وسريعاً على المستوى العالمي، خصوصاً في الدول المتقدمة خلال السنوات القليلة السابقة، كإحدى الوسائل المهمة المستخدمة في دعم اتخاذ القرار في المجالات المختلفة.

فعلى سبيل المثال يمكن الاستفادة من جميع هذه الجهود والإمكانات في بناء نظام معلومات متكامل للإنذار المبكر والتنبؤ بالمخاطر المختلفة. ومن ثم تفادي الكوارث الطبيعية لدى المنظمات، وعن وجود مراكز التنبؤ والإنذار التابعة للمنظمات ووجود نظام الاتصالات السلكية واللاسلكية الواسع النطاق الذي يسمح لجميع المنظمات بتبادل البيانات والمعلومات من الأرصاد الجوية الذي يضمن التأهب ونشر التوقعات والإنذارات في توقيت مناسب لتفادي الأزمات والكوارث.

التنبؤ الوقائي

يجب تبني التنبؤ الوقائي متطلباً أساسياً في عملية إدارة الأزمات والكوارث من خلال إدارة سبّاقة وهي الإدارة المعتمدة على الفكر التنبؤي الإنذاري لتفادي حدوث أزمة مبكراً عن طريق صياغة منظومة وقائية مقبولة تعتمد على المبادأة والابتكار وتدريب العاملين عليها.

ثبت صحة الفرضية هذه القائلة إن طبيعة الجاهزية في الدولة ومستوياتها تجاه الأزمات والكوارث تتناسب طرديًا مع واقع الاتجاهات الوقائية أو العلاجية لدى العاملين في تلك الدولة.

إن النجاح في عملية إدارة الأزمات والكوارث يتطلب عدة عوامل منها:

* إيجاد جهات مختصة وتطويرها، ما يمكّن الدولة من التعرف إلى المشكلات وتحليلها ووضع الحلول لها بالتنسيق مع الكفاءات المختصة.

* العمل على جعل التخطيط للأزمات والكوارث جزءًا مهمًا من التخطيط الإستراتيجي.

* ضرورة عقد البرامج التدريبية وورش العمل للمعنيين في مجال إدارة الأزمات والكوارث.

* ضرورة التقويم والمراجعة الدورية لخطط إدارة الأزمات والكوارث واختبارها تحت ظروف مشابهة ومن ثم يتعلم الأفراد العمل تحت الضغوط.

* تأكيد أهمية وجود نظام فعّال للإنذار المبكر.

* ضرورة عقد البرامج التدريبية وورش العمل للمسؤولين عن إدارة الأزمات والكوارث.

وبعد ما سبق استعراضه يجب التعرف إلى إدارة الأزمات والكوارث من خلال التعامل الفوري مع الأحداث لوقف تصاعدها، والسيطرة عليها وتحجيمها وحرمانها من مقومات تعاظمها ومن أي روافد جديدة قد تكتسبها في أثناء قوة اندفاعها.

وتتضح أهمية وسائل الإعلام وأجهزتها المختلفة ودورها عند إدارة الأزمات والكوارث المختلفة ومواجهتها، سواء قبل وقوعها أو في أثناء حدوثها، أو بعد الانتهاء منها ما يستوجب إبراز هذا الدور وأهميته في توفير الأمن والاستقرار في المجتمع ككل.

كما أنها تستلزم تغيير النمط المعتاد في اتخاذ القرارات بسبب التعقيد والتشابك والارتباك ومفاجأة الأحداث والتطورات والصدمة والضغط الشديد على متخذي القرار وعلى المنفذين.

تظهر إدارة الأزمات والكوارث من خلال استخدام كل الإمكانات المتاحة لاكتشاف الأزمات والكوارث وأسبابها والسيطرة عليها قبل استفحالها وانفجارها، أو التعامل معها بعد انفجارها بهدف استعادة السيطرة على الأحداث، وذلك من خلال: التخطيط السليم، والتنظيم الدقيق، والتنسيق الكامل والمتابعة والتقويم المستمر، واتخاذ القرارات السليمة من قبل قيادة وإدارة فاعلة تتمتع بالقدرات والمهارات الإدارية والقيادية التي تمكنها من العمل تحت ضغط عامل الزمن وتسارع الأحداث وتزايد الخسائر والأخطار ونقص المعلومات وعدم التأكد منها.

وإدارة الأزمات والكوارث هي تقنية تستخدم لمواجهة الحالات الطارئة والتخطيط للتعامل مع الحالات التي لا يمكن تجنبها وإجراءات التحضيرات اللازمة لها، أو هي منهج منطقي في التعامل مع الأزمات والكوارث الحقيقية بطريقة تجعل المنظمة تعمل بشكل منتظم في كل الظروف غير الاعتيادية.

ولإدارة الأزمات والكوارث جانبان متكاملان هما: الجانب الوقائي وهو محاولة إزالة أسباب الأزمات والكوارث والتعامل معها قبل ميلادها أو انفجارها.

والجانب الثاني لإدارة الأزمات والكوارث يتعلق بكيفية مواجهة الأزمات والكوارث بعد ظهورها إلى سطح الأحداث، وهو الجانب العلاجي للأزمات والكوارث.

عوامل النجاح في إدارة الأزمة

أو الكارثة

يتوسع بعض الباحثين في الرصد وتحليل العوامل التي تضمن الإدارة الفعالة والناجحة للأزمات والكوارث، حتى إنها تشمل كل العوامل والإجراءات اللازمة لنجاح أي نوع من الإدارة في مجالات الحياة المختلفة، لكن الرصد العلمي الدقيق لعوامل النجاح في إدارة الأزمة أو الكارثة يجب أن يركز في أهم العوامل ذات الصلة المباشرة بموقف الأزمة أو الكارثة، وبالمراحل المختلفة لتطورها، وفي هذا الإطار نركز في العوامل الآتية:

  • إدراك أهمية الوقت: إن عنصر الوقت أحد أهم المتغيرات الحاكمة في إدارة الأزمات والكوارث، فالوقت هو العنصر الوحيد الذي تشكل ندرته خطراً بالغاً على إدراك الأزمة أو الكارثة، وعلى عملية التعامل معها، إذ إن عامل السرعة مطلوب لاستيعاب الأزمة والكارثة والتفكير في البدائل واتخاذ القرارات المناسبة، والسرعة في تحريك فريق إدارة الأزمات والكوارث والقيام بالعمليات الواجبة لاحتواء الأضرار أو الحد منها واستعادة نشاط المنظمة.
  • إنشاء قاعدة شاملة ودقيقة من المعلومات والبيانات الخاصة بكل أنشطة المنظمة، وبكل الأزمات والمخاطر التي قد تتعرض لها، وآثار وتداعيات ذلك على مجمل أنشطتها، ومواقف الأطراف المختلفة من كل أزمة أو خطر محتمل.

والمؤكد أن المعلومات هي المدخل الطبيعي لعملية اتخاذ القرار في مراحل الأزمة المختلفة، والإشكالية أن الأزمة بحكم تعريفها تعني الغموض ونقص المعلومات، ومن هنا فإن وجود قاعدة أساسية للبيانات والمعلومات تتسم بالدقة والتصنيف الدقيق، وسهولة الاستدعاء قد تساعد كثيراً في وضع أسس قوية لطرح البدائل والاختيار بينها.

  • توافر نظم إنذار مبكر تتسم بالكفاءة والدقة والقدرة على رصد علامات الخطر وتفسيرها وتوصيل هذه الإشارات إلى متخذي القرار.

ويمكن تعريف نظم الإنذار المبكر بأنها أدوات تعطي علامات مسبقة لاحتمالية حدوث خلل ما ويمكن من خلالها التعرف إلى أبعاد موقف ما قبل تدهوره، وتحوله إلى أزمة تمثل مصدراً للخطر على المنظمة. ولأهمية نظام الإنذار فإن هناك إجراءات لقياس فاعلية نظم الإنذار المبكر وتقويم أدائها بشكل دوري.

الاستعداد الدائم لمواجهة الأزمات والكوارث

إن عملية الاستعداد لمواجهة الأزمات والكوارث تعني تطوير القدرات العملية لمنع الأزمات والكوارث أو مواجهتها، ومراجعة إجراءات الوقاية، ووضع الخطط وتدريب الجهات المختصة على الأدوار المختلفة في أثناء مواجهة الأزمات والكوارث.

القدرة على الحشد وتعبئة الموارد المتاحة، مع تعظيم الشعور المشترك بين الجهات المختصة أو المجتمع بالمخاطر التي تطرحها الأزمة أو الكارثة، ومن ثم شحذ الطاقات واستنفارها من أجل مواجهة الأزمة أو الكارثة والحفاظ على الحياة.

وتجدر الإشارة إلى أن التحديات الخارجية التي تواجه المجتمعات قد يكون لها دور كبير في توحيد فئات المجتمع وبلورة هوية واحدة له في مواجهة التهديد الخارجي.

نظام اتصال يقوّم

بالكفاءة والفاعلية

لقد أثبتت الدراسات وبحوث الأزمة والكارثة والدروس المستفادة من إدارة أزمات وكوارث كثيرة أن الاتصالات تؤدي دوراً بالغ الاهمية في السرعة وتدفق المعلومات والآراء داخل الدولة، وبين الدولة والعالم الخارجي، وبقدر سرعة المعلومات وتوافرها يتم نجاح الجهات المختصة في الحشد وتعبئة الموارد، وشحذ طاقات أفراد إدارة الأزمات والكوارث، ومواجهة الشائعات، علاوة على كسب الرأي العام أو على الأقل تحييده.

ومن الضروري وضع خطط وقوائم للاتصالات في أثناء الأزمة أو الكارثة وتجديدها أولاً بأول، وكذلك تكليف أحد أفراد فريق إدارة الأزمة أو الكارثة بإدارة عمليات الاتصال الداخلي والخارجي وإعداد الرسائل الاتصالية أو الإعلامية المناسبة التي يمكن من خلالها مخاطبة الجماهير.

ومما سبق يعد فيروس (كوفيد 19) كارثة على مستوى العالم لعدد المصابين بهذا الفيروس، يقدر بنحو أكثر من مليونين ونصف المليون، منهم نحو أكثر من مئة وسبعين ألف حالة وفاة حتى كتابة هذا المقال.

وترتب على هذه الكارثة أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية.. وغيرها من أزمات.

ولقد واجهت المملكة العربية السعودية هذا الوباء بتخصيص لجنة من 13 وزارة ترأسها وزير الصحة، معنية بمتابعة الوضع الصحي لفيروس كورونا، وتضم في عضويتها ممثلين من وزارات: «الدفاع، الطاقة، الداخلية، الحرس الوطني، الخارجية، الصحة، المالية، الإعلام، التجارة، الاستثمار، الحج والعمرة، والتعليم»، وهيئة الطيران المدني، وهيئة الهلال الأحمر السعودي، والهيئة العامة للغذاء والدواء، والهيئة العامة للجمارك، ووزارة السياحة، والمركز الوطني للوقاية من الأمراض ومكافحتها Saudi CDC.

وخصصت وزارة الصحة الرقم (937) لأي استفسار بشأن الفيروس، وشاركت معلوماتها التوعوية في كل الوسائل الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بها بشكل مكثف؛ لرفع مستوى الوعي، واعتمدت أعلى معايير البروتوكولات الطبية المطبقة لجعل فيروس كورونا في الحد الأدنى.

واتخذت المملكة كل التدابير لحماية المواطنين والمقيمين من هذا الوباء، وذلك من خلال الحجر الصحي وحظر التجوال وغلق جميع المنافذ والتشديد على العزل الاجتماعي.

كما جهزت وزارة الصحة 25 مستشفى للتعامل مع حالات كورونا، وأكثر من 2200 سرير لعزل الحالات، كما تتبع مستشفياتها إجراءات تبدأ من نقطة استقبال المريض ثم عملية الفرز وعزل الحالات المشتبه بها، وبعد التأكيد تحول إلى قسم الحالات المؤكدة؛ وهي عبارة عن غرف منفصلة تحتوي على سرير واحد وكل التجهيزات الكافية، وعنايات مركزة خاصة لهذا الغرض، فضلًا عن كوادرها البشرية.

كما صدر الأمر الملكي الكريم القاضي بدعم القطاع الخاص ومساندته وخصوصاً المنشآت الصغيرة والمتوسطة والأنشطة الاقتصادية الأكثر تأثراً من تبعات الجائحة العالمية، وما تضمنه من صرف تعويض مالي شهري يستفيد منه أكثر من (مليون ومئتي ألف) من المواطنين العاملين في المنشآت المتأثرة، وذلك لمدة ثلاثة أشهر، بدعم قدره (تسعة) مليارات ريال، انطلاقاً من حرصه -أيده الله- على التخفيف من الآثار الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن الجائحة، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطن والمقيم.

وعلى الرغم من أن فيروس (كوفيد 19) تسبب في انعزال الناس بعضهم عن بعض، إلا أن المجتمعات كانت تتوحد معاً في مواجهة الكارثة، ونجحت المعاملة الراقية النظيفة وحالة التضامن في رفع الروح المعنوية بين المجتمعات في أنحاء العالم.

وشاهد الأمير عبدالله بن بندر والحضور عرضًا مرئيًّا تعريفيًّا عن صرح الجامعة، وأعداد الخريجين لهذه الدفعة البالغة 794 طالبًا. بعد ذلك ألقى مدير الجامعة الدكتور بندر القناوي كلمة بهذه المناسبة، ثمَّن فيها رعاية وزير الحرس الوطني التي تأتي دعمًا لمسيرة الجامعة الأكاديمية والعلمية والبحثية، ودافعًا للاستمرار في تحقيق النجاحات.

وأضاف بأن مشاركة وزير الحرس الوطني الخريجين فرحة النجاح والتخرج تؤكد حرصه على دعم وتشجيع الطلاب؛ لما بذلوه من جهد في التحصيل الأكاديمي والعلمي والتدريب الإكلينيكي، ومشاركتهم أيضًا فرحة التطلع إلى خدمة الوطن والمواطن بثقة وتفانٍ وإخلاص.

وأكد أن خريجي الجامعة اكتسبوا مهارات، سيسهمون بها في دعم وتطوير النظام الصحي في السعودية، وتطوير خدمة الرعاية الصحية، كما استفادوا من البيئة الإكلينيكية في تطوير أدائهم وإمكاناتهم على أكمل وجه.

وسوم