عسكرية - ثقافية - شهرية

بعد خمسة عقود في خمسة عهود .. الأمير خالد الفيصل

الملك سلمان شخصية قيادية فذّة جمعت بين الحزم والإنسانية والطموح

 

خالد.. ابن «الفيصل» .. حفيد «المؤسس» .. الصفات والمناصب والألقاب يضيف لها أكثر مما تمنحه ويعطيها أكبر مما يأخذ منها..

لم يكن يوماً «مجموعة انسان» كما هي قصيدته الشهيرة فقط، بل كان ذلك الرمز الوطني المضيء .. منذ أن تصدى للمسؤولية وأخذ بزمامها شاباً يافعاً .. وظل على مدى أكثر من خمسين عامًا وطوال خمسة عهود يعطي وطنه بكل إخلاص في مختلف المواقع أميراً ووزيرًا وقائدًا .

هذا الحوار الخاص هو محل فخر واعتزاز أسرة مجلة الحرس الوطني.. وقد أتى على جزء يسير من المسيرة الحافلة والسيرة العاطرة للرمز الوطني الكبير صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز آل سعود مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة «حفظه الله»، ولم تكن أية مساحة تعطى لهذا الحوار كافية للإحاطة به، فهو شخصية متفردة .. وقامة من قامات الوطن .. يتمتع بمهارة القيادة ونباهة الخبير وإلهام المبدع .. شمائل متجاوزة في محطات الإمارة والريادة والإبداع والسياحة والتعليم والرياضة والنهوض بالشعر والفكر، وصولا إلى أن يكون أميرا لمنطقة هي أطهر بقاع المعمورة «مكة المكرمة».

«قليل من كثير» و «بعض من كل»، تجدونه في ثنايا هذا الحوار الذي سيبقى أحد العلامات الفارقة في تاريخ المجلة، مع ضيفنا الاستثنائي.

 

أجرى الحوار : المشرف العام ورئيس التحرير

*سمو الأمير.. يحل علينا اليوم الوطني (۹۱) لتأسيس هذا الكيان العظيم على يد المغفور له الملك عبدالعزيزطيب الله ثراهكيف ينظر سموكم الكريم إلى هذا اليوم الذي يعيد إلى ذاكرتنا مسيرة التأسيس والكفاح التي قادها الملك المؤسس من أجل بناء هذا الوطن الشامخ؟ وما هي الدروس والعبر التي نستلهمها من هذه الذكرى؟

بدايةً فإن ذكرى التوحيد الغالية على قلب كل مواطن سعودي؛ تمثّل جسر الفخر والاعتزاز الذي يربطنا بماضينا المُشرّف، لنستذكر من خلاله الإنجاز العظيم للقائد الفذّ الإمام المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – والذي استطاع بعون الله ثمّ بحنكته وصفاته القيادية الفذّة تأسيس أول وحدة عربية استثنائية في العصر الحديث، هذا القائد الاستثنائي الذي توّج هذا العمل البطولي بأن وضع لهذا الكيان الشامخ القرآن الكريم دستوراً وسنّة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام منهجاً، ورفع راية التوحيد خفاقة على كُل شبرٍ من ثراه، لذا فإن هذا الحدث الكبير يجدد في النفوس مشاعر الفخر والاعتزاز ببطلٍ سخّر حياته للمّ الشتات وتوحيد الأفئدة قبل الجغرافية، وكرّسها لتأصيل مبادئ التآخي والألفة، وها نحن اليوم وعلى مدى تسعة عقود نجني ثِمار التوحيد أمناً واستقراراً ونماءً في وطنٍ الإنسان فيه محل الرعاية والاهتمام والتنمية في مقدمة الأولويات، وطنٌ أصبحنا فيه – بفضل الله – أمة واحدة تعتزّ بمنجزاتها وتباهي بعقول رجالها، وتفاخر بأفعالهم، وطنٌ له في مصاف دول العالم حضوره ونباهي به بين الأوطان.

اللقاء الأهم في حياتي

* بلقاء المغفور له الملك عبدالعزيز لأول مرة وأنتم في السادسة من العمر، ماذا تحمل ذاكرتكم عن هذا اللقاء؟ وكيف تصفون شخصية الملك المؤسس في تعامله مع أبنائه وأحفاده؟

بالطبع فإن هذا اللقاء راسخٌ في مخيلتي وحدث تاريخي منقوش في ذاكرتي، فهو الحدث الأهم في حياتي؛ أتذكّر أن الأحساء كانت محطة اللقاء الأول الذي جمعني بالملك عبدالعزيز والملك فيصل – يرحمهما الله-، وفيه كُنت محظوظاً بلقاء ثلاث شخصيات قيادية فريدة واستثنائية، وهم الملك عبدالعزيز، والملك فيصل، والأمير سعود بن جلوي -يرحمهم الله- فقد نلتُ شرف الجلوس معهم، وحظوة الحديث إليهم والنهل من تجاربهم عن قُرب، أما عن تعامل الإمام المؤسس -يرحمه الله- مع أبنائه فقد كان يجمع بين الرحمة والشدّة، وكان حريصاً على تربية أبنائه ونشأتهم وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وكان قريباً منهم دائم التوجيه والنصح لهم بمراقبة الله في السر والعلن، وإحقاق الحق وترسية مبادئ العدل والمساواة بين الناس، وحرص – طيب الله ثراه – على أن يكونوا قريبين من الشعب، ويتلمّسون حاجاتهم ويستمعون لهم ويعملون على تحقيق مطالبهم.

قائد فذّ وخبير التطوير

* سمو الأمير.. لا يخفى على سموكم الكريم حجم التقدم والتطور والتحولات النوعية والمتسارعة التي تشهدها بلادنا في عهد سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.. ماذا تقولون عن هذا العهد الميمون؟ وكيف يقرأ سموكم مستقبل المملكة تحت قيادتهرعاه الله؟

سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – أدام الله عزه – شخصية قيادية فذّة جمعت بين الحزم والإنسانية والطموح، ولا غرابة في ذلك فقد تشرّب الحكمة والفراسة من والده الملك عبدالعزيز – يرحمه الله –، كما أنّه يتحلى بخبرة إدارية متميزة هي محصلة سبعة عقود من العمل الحكومي، كل هذه العوامل أكسبته – يحفظه الله – صفات القائد المحنّك والسياسي الفذ والخبير في جوانب التطوير والتنمية، ولعل ما تشهده بلادنا اليوم من نقلة حضارية في مختلف المجالات على الصعيد المحلي والريادة والقوة إقليمياً وعالمياً تُبرهن ما يتمتع به – أيده الله – من سِمات جعلت منه ملكاً استثنائياً وقائداً متفرداً .. فكيف لا يكون مستقبلنا مشرقاً وقائدنا سلمان؟.

احذر الهوى يا شاعر

* ذكرتم سموكم العديد من المواقف مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ورعاه ـ ومن بينها حديثه الموجه لسموكم حين تم تعيينكم أميراً لمنطقة عسير، عندما قال العبارة الشهيرة (احذر الهوى يا شاعر) وكيف أن سموكم مع ذلك وقع في حب عسير؟ وماذا كانت توجيهاته ـ حفظه الله ـ عند صدور أمره عام 1436هـ بتعيينكم مستشاراً لخادم الحرمين الشريفين وأميراً لمنطقة مكة المكرمة؟

– ابتسم سموه وهو يقول: جميع المواقف التي تجمعني بسيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز – حفظه الله ورعاه – أعتز بها ولا تغادر ذاكرتي وقصة ( احذر الهوى يا شاعر) حدثت عندما تم تعييني أميراً لمنطقة عسير عام 1391هـ، وكنت حينها مديراً لرعاية الشباب التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وهو من المواقف الإنسانية اللطيفة التي غمرني بها والدي وسيدي الملك سلمان، وكان وقتها أميراً لمنطقة الرياض، وما زلت أتذكر هذه العبارة جيداً عندما ألتقيه حفظه الله،‏ وفي الواقع علاقتي به علاقة الابن بوالده، وأتخذه مثالا أعلى من جميع النواحي فهو القائد والقدوة والموجه، وهو شخصية قيادية وطنية فذة لها امتدادها العربي والإسلامي الأصيل، إضافة لكونه مثقفا حصيفا مدركا وملما بكثير من المعارف والعلوم ومهتم ومطلع على التاريخ والثقافة الإسلامية والأدب العربي، وعندما شرفني – يحفظه الله – بتعييني مستشارًا له وأميرًا لمنطقة مكة المكرمة عام 1436هـ كانت توجيهاته السديدة ودعمه الكبير بتسخير كافة الإمكانيات تجاه هذه المنطقة الغالية لتكون في المنزلة التي تستحقها على كافة المستويات، وأنا أتشرف بأن أعمل وفقا لهذا التوجه الكريم خادما لديني ومليكي ووطني.

تحوّل سريع ونهضة شاملة

*  يوافق هذا العام الذكرى الخامسة لإطلاق رؤية المملكة الطموحة ۲۰۳۰ على يد عرابها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد الأمين حفظه الله ..  كيف يرى سموكم مسار الرؤية ونتائجها المحققة بعد خمسة أعوام من انطلاقتها؟ 

– اليوم يجني الوطن والمواطن ثمار هذه الرؤية الطموحة، فهي بمثابة خارطة طريق لمسيرة التنمية ومشعلُ ضياء لمستقبل زاهرٍ بإذن الله، وقد أسهمت المشروعات التنموية الرائدة التي تدور عجلتها في مختلف مناطق المملكة في تحوّل الوطن سريعاً وانتقاله إلى مصاف الدول المتقدمة، وهذا برهان جليّ على أن قائد مسيرة التنمية سيدي خادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله ـ الذي يقود الوطن نحو مستقبل مشرقٍ سوف يعزز مكانته في مصاف الدول المتقدمة، ويجعله مصدر إبهار ومحط أنظار العالم، وبمتابعة وإشراف عضده الأيمن صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد الأمين ـ حفظه الله ـ الذي يعمل على أن تتبوأ بلادنا الموقع اللائق بها، وأن تكون دائماً في دائرة الريادة والتأثير والقوة، وبالمناسبة فإني أراهن دوماً على إرادة وقدرة الإنسان السعودي وكيف استطاع بفضل الله ثم بتمسكه بالثوابت واستزادته من مناهل العلوم، أن يكون أنموذجاً في الكثير من المجالات.

تحوّل سريع ونهضة شاملة

* يوافق هذا العام الذكرى الخامسة لإطلاق رؤية المملكة الطموحة ۲۰۳۰ على يد عرابها سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيزحفظه الله، والتي تسعى بعون الله إلى بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح.. كيف يرى سموكم مسار الرؤية ونتائجها المحققة بعد 5 أعوام من انطلاقتها؟

اليوم يجني الوطن والمواطن ثمار هذه الرؤية الطموحة، فهي بمثابة خارطة طريق لمسيرة التنمية، ومشعلُ ضياء لمستقبل زاهرٍ -بإذن الله-، وقد أسهمت المشروعات التنموية الرائدة التي تدور عجلتها في مختلف مناطق المملكة في تحوّل الوطن سريعاً، وانتقاله إلى مصاف الدول المتقدمة، وهذا برهان جليّ على أن قائد مسيرة التنمية سيدي خادم الحرمين الشريفين وعضده الأيمن ولي عهده الأمين، يقودان الوطن نحو مستقبل مشرقٍ سوف يعزز مكانته في مصاف الدول المتقدمة، ويجعلانه مصدر إبهار ومحط أنظار العالم، وبالمناسبة فإني أراهن دوماً على إرادة وقدرة الإنسان السعودي، وكيف استطاع بفضل الله ثم بتمسكه بالثوابت واستزادته من مناهل العلوم، أن يكون أنموذجاً في الكثير من المجالات؟.

المقدسات وقاصدوها .. أولاً

* ما أنجز لمشروع الحج وما شهدته المشاعر المقدسة من نهضة عظيمة استطاعت المملكة أن تحقق عبرها ريادة عالمية تنظيماً وإدارة.. كيف تنظرون سموكم لهذا الموضوع في إطار رؤية ٢٠٣٠ التي يُعد الحج والعمرة ضمن مستهدفاتها الرئيسة؟

حرصت المملكة منذ تأسيسها قبل أكثر من 90 عاماً على تسخير طاقاتها البشرية والمادية لتقديم أفضل الخدمات لضيوف الرحمن، وهذه الخدمات يتم تطويرها بشكل مستمر، وعاماً تلو الآخر نشهد – ولله الحمد – نقلات نوعية في هذا الجانب، وتأتي التوسعات الضخمة للمسجد الحرام، والمشروعات العملاقة في المشاعر المقدسة تأكيداً على ذلك، كما أن تخصيص برنامج لخدمة ضيوف الرحمن ضمن رؤية 2030 يعكس حرص القيادة على التطوير الدائم لمنظومة الحج والعمرة، ومن الأمور التي يجب الإشارة إليها في هذا الصدد أن موسم حج عام 1442هــ كان ولأول مرة رقمياً بالكامل وهذه – ولله الحمد – نقلة نوعية في خدمة ضيوف الرحمن، ولأن الطموحات لا حدود لها، سنواصل العمل للتسهيل على الحجاج والمعتمرين وجعل رحلتهم الإيمانية أكثر يُسراً وراحة منذ قدومهم للأراضي السعودية وحتى عودتهم إلى ديارهم سالمين غانمين.

رهن الإشارة لخدمة الوطن

* سمو الأمير.. عملتم في خدمة هذا الوطن نحو خمسين عاماً في مجال الرياضة والشباب ثم في إمارة منطقة عسير ثم في إمارة مكة المكرمة إضافة إلى توليكم وزارة التربية والتعليم في مرحلة سابقة.. وتشرفتم سموكم بالعمل تحت قيادة خمسة ملوك من قادتنا الميامين من عهد جلالة الملك فيصل طيب الله ثراه إلى عهد سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيزيحفظه الله-.. ماذا يمكن أن يقول سموكم عن هذا المشوار الطويل، وهذه المسيرة العظيمة التي امتدت لنحو 50 عاماً؟

لاشك أن خدمة الوطن شرفٌ عظيم، وثقة ملوك هذه البلاد الذين كلفوني بالعمل في مواقع مختلفة أخدم من خلالها وطني هي مصدر فخر واعتزاز، وأود الإشارة هنا إلى أنّ خدمة الوطن واجبٌ يتحتّمُ علينا جميعاً أن نستشعره، ونؤمن به ولا مجال للتهاون والتخاذل في ذلك، وقد أوقفت حياتي لخدمة الدين ثم المليك والوطن، لذا فأنا رهن إشارة ولاة الأمر ومُنفذٌ لتوجيهاتهم.

مكة الميلاد وشرف الخدمة

* توليتم إمارة مكة المكرمة لفترتين فضلاً عن أن نشأتكم الأولى كانت فيها.. ماذا تمثّل مكة المكرمة في نفس خالد الفيصل؟

مكة المكرمة لها مكانة خاصة في قلبي، فهي أول بقعة أطأُ ثراها ونشأت فيها، غبت عنها فترة من الزمن جسداً، ولكنّ قلبي لم يغادرها وبقي متعلقاً بها، وعُدتٌ إليها بعد غياب لأتشرف بخدمتها، وخدمة قاصديها، وهذا شرف لا يضاهيه شرف، فمكة هي النافذة التي نقدم أنفسنا للعالم من خلالها، وينظر إلينا العالم عبرها، لذا فإن لها خصوصية فريدة تميّزها عما سواها، كيف لا وهي تحتضن قبلة المسلمين، التي يؤمها أكثر من مليار وستمائة مليون مسلم خمس مرات يومياً ويفدون إليها طيلة العام.

ريادة وتفوّق سعودي

*نحو العالم الأول.. شعار أطلقه سموكم ونادى به وعمل من أجله إيماناً بطاقات وقدرات وإمكانات الإنسان السعودي.. إلى أين وصلنا في طريقنا نحو هذا الهدف؟ هل نسير في الطريق الصحيح؟ ما المقومات المطلوب توافرها، أو خارطة الطريق التي يجب اتباعها لبلوغ هذه الغاية من وجهة نظر سموكم؟

أكاد أجزم بأننا وصلنا للعالم الأول، والشواهد على ذلك كثيرة فالمملكة تتبوأ اليوم مكانتها ضمن مجموعة العشرين لدول العالم الأقوى اقتصاداً والأكثر تأثيراً، وأبناؤها لهم إسهامات عظيمة في شتى المجالات، فقد حصد الكثير منهم جوائز عالمية في حقول العلم المختلفة، وحققوا مراكز متقدمة في ذلك، وآخر الشواهد التفوّق السعودي في الجوانب التقنية، ومن وجهة نظري أنّ هذه دلائل جليّة على أننا وضعنا موطأ قدمٍ لنا في العالم الأول.

الانتقال من التعليم إلى التعلّم

*سمو الأمير.. توليتم وزارة التربية والتعليم إبان عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيزرحمه الله-.. ما القضايا التي أوليتموها جل اهتمامكم في ظل أهمية التعليم في بناء الإنسان، وتهيئته ليكون عنصراً فاعلاً في مجتمعه وخدمة وطنه؟

كان أهم أهدافي تغيير مفهوم الوزارة من التعليم إلى التَعلُّم، والانتقال إلى تحفيز الطلاب والطالبات ليكتشفوا مواهبهم وتنميتها، ولأجل ذلك أعددنا في الوزارة بالتعاون مع شركة تطوير مشروعاً رفعته لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -يرحمه الله- الذي اعتمده ووافق على دعمه بمبلغ يتجاوز 80 مليار ريال؛ تُصرف على بناء مدارس حديثة وتهيئة السُبل للانتقال لأساليب التعلُّم الحديثة، وابتعاث 25 ألف معلم ومعلمة إلى البلاد المتطورة تعليماً، بالإضافة لتطوير المناهج، والتأسيس للتعليم التقني، كذلك توطين صناعة المواد والآلات مثل سيارات النقل، ومواد المباني ومستلزماتها، والتجهيزات التعليمية، ومن الأمور التي لا يمكن تجاوزها أنني جعلت «الاعتزاز بالدين.. الولاء للملك.. الانتماء للوطن « شعاراً لجميع نشاطات الوزارة .

تحفيز الإبداع والارتقاء بالحوار

*سيدي.. أسستم مؤسسة الفكر العربي قبل أكثر من ۲۰ عاماً.. كيف ترون مسيرتها ومدى قدرتها على تحقيق أهدافها التي أنشئت من أجلها؟

ظلت فكرة إنشاء مؤسسة الفكر العربي تراودني لسنوات طويلة، فالتضامن العربي والحريات المسؤولة والاعتزاز بثوابت الأمة ومبادئها وقيمها حلم لكل عربي يعتز بعروبته، ولأن الفكر لا يعالج إلا بالفكر شريطة أن يحمل على عاتقه نشر مبادئ الاعتدال والوسطية، ورفض التطرف بكل أشكاله وأنواعه، ومن هذا المنطلق حرصت المؤسسة على إيصال هذه الرسالة بهدف نشر المعرفة، وتحفيز الإبداع والابتكار والارتقاء بالحوار، والانفتاح على لغات العالم وثقافاته وأخذ المفيد منها بما يتماشى مع القيم الدينية والعربية، ونتج عن ذلك تأليف كُتب ونشر بحوث تناولت جوانب الإبداع الفكري والثقافي والتقني والابتكار، وقدّمت المؤسسة برامج لبناء قيادات شابة تُسهم في النهوض بالأمة، ويكفي المؤسسة فخراً جمعها للمفكرين تحت قبة جامعة الدول العربية، لمناقشة قضايا الفكر، وطرح مشروع التكامل الثقافي، في مكان لا يجتمع فيه إلا الساسة لمناقشة قضايا السياسة.

275 فائزاً من 43 دولة

*سمو الأمير.. تعد جائزة الملك فيصل العالمية واحدة من أكبر الجوائز العالمية التي تحتفي بالعلم، وتكرم المميزين في خمسة فروع.. هل تسعى هيئة الجائزة إلى أحداث فروع أخرى في مجالات حديثة كالتقنية والذكاء الاصطناعي أو خدمة البيئة أو أي مجال جديد؟

لابد من الإشارة إلى أن الجائزة على مدى 43 عاماً كرمت 275 فائزاً يمثلون 43 جنسية، أما فيما يخص التوسع في أفرع الجائزة فمتى ما وجدنا ذلك يعزز من قيمتها فلا مانع في ذلك خصوصاً أن العالم اليوم يتحول إلى الرقمنة بشكل متسارع، وهذا الحقل أصبح في وقتنا الراهن محركاً حقيقياً وفاعلاً في شتى مناحي الحياة.

تحفيز المبدعين وتجويد العمل

*»جائزة مكة للتميز» التي أطلقتموها سموكم قبل عدة أعوام.. كيف تجدون ما تحقق لها من أثر في تحفيز العمل الإبداعي والتنافسي في كافة فروعها؟ وهل ستتوسع لتشمل فروعاً أوسع مستقبلاً؟

اسهمت جائزة مكة للتميز على مدى 12 عاماً في تشجيع العمل المميز، والجهد البارز لدى الأفراد والجهات الحكومية والأهلية بمنطقة مكة المكرمة، ودعمت في ذات الوقت الجهود لإظهار الإبداع الحضاري لإنسان المنطقة، وساهمت بشكل فاعلٍ في تشجيع توظيف التقنيات الحديثة من أجل التطوير، والارتقاء بمستوى الأداء والجودة وجميع هذه الأمور تحقق الأهداف التي أنشأت لأجلها الجائزة، أما بالنسبة لاستحداث فروع جديدة فإنه متى ما كانت هناك حاجة لذلك سوف يتم زيادتها فكل عملٍ قابلٌ للتطوير والتحسين وفقاً للمتغيرات.

الشعر صوت الأوطان

* حنا العرب يا مدعين العروبة.. وحنا هل التوحيد وأنتم له أجناب ما ينسينا الخطأ حب الخشوم.. ولا يطهرك المطر عشرين عاماً أبيات وطنية شهيرة لسموكم ضمن الكثير مما يحضر دائماً عند الدفاع عن الوطن خصوصاً في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وهذا يأخذنا إلى القصيدة الوطنية، وفعلها المؤثّر في تعزيز محبة الوطن في نفوس أبنائه، وتحولها في أحايين كثيرة إلى سلاح في مواجهة التهديدات والحملات الإعلامية المغرضة.. كيف تجدون سموكم إسهامكم العريض والمتواصل في هذا الجانب وأنتم أحد رموز الشعر؟

بطبيعة الحال الوطن جزء لا يتجزأ من روح الشاعر، وهاجسٌ يدفعه للتغني به والفخر بإرثه وحضارته، وشكّل الشعر الوطني عبر التاريخ سلاحاً مؤثراً فكان ولايزال بمثابة صوت الأوطان ووزارة إعلامه الفاعلة، لذا لجأت إليه العرب للتعبير عن المشاعر الجياشة تجاه الأوطان، والتباهي بها وتعزيز القيم الوطنية، وتأصيلها بين الأجيال، وهذا واجب كل شاعر وأقل ما يمكن أن يقدمه، خصوصاً إذا ما علمنا أن القصيدة لغةٌ خالدة لا تموت ولا تفنى.

أداة حِراك وثقافة شعوب

*بين سموكم ومنبر الخطابة علاقة من الحضور الباهر والتأثير وقوة وبلاغة العبارة، كما دأب سموكم على الإشادة ببراعة المقدمين في المحافل والمناسبات والثناء عليهم.. هل هو الإيمان بالكلمة ودورها في بناء الفكر والتأثير وإحداث التغيير؟

الكلمة ليست مُجرّد أحرف تخطّها الأقلام، أو تلهج بها الحناجر وتتعالي بها الأصوات، بل هي في حقيقة الأمر أداة حراك فاعلة وانعكاس لثقافة الشعوب، ومتى ما آمنا بها كان لها وقعها وتأثيرها في التغيير والتطور وشحذ الهِمم، وعلى النقيض يكون وقعها عكسياً متى ما أُسيء توظيفها، لذا لابُد من توجيهها لخدمة الدين أولاً ونشر الوسطية والاعتدال، وإبراز المكانة الحقيقية للوطن، ولأن اللغة العربية هي الهوية المُشرّفة، كان لزاماً عليّ تحفيز كل المبدعين الذين يحافظون على لغة القرآن ويتمسكون بثقافتها الفريدة، ويتغنون بما تزخر به من جماليات فريدة، وتزخر منطقة مكة المكرمة بالعديد من المواهب في هذا الجانب وغيره من الجوانب الأخرى، وتحرص الإمارة على دعمهم عبر برامجها الثقافية التي يتم تنظيمها بشكل سنوي.

عكاظ منارة تجديد وإبداع

*سمو الأمير.. مشروع إحياء سوق عكاظ كان أحد أهم المشروعات التي تبناها وأطلقها ودعمها سموكم الكريم بشكل كبير حتى أصبح أحد المكتسبات الوطنية المهمة.. كيف يرى سموكم الكريم مستقبل سوق عكاظ .. لاسيما في ظل المبادرات التي أطلقها سمو ولي العهديحفظه اللهمن خلال المشروعات العملاقة التي تهدف إلى استثمار التنوع والثراء التاريخي والحضاري لبلادنا، وما تزخر به من مكونات عظيمة ومقدرات لها عمقها وقيمتها التاريخية والثقافية؟

لسوق عكاظ مكانة تاريخية عريقة فهو رمز الماضي، وفكر الحاضر وأمل المستقبل، وقد حرصت منذ قدومي إلى منطقة مكة المكرمة على إحياء سوق عكاظ والاستفادة منه ثقافياً وتراثياً وسياحياً، وبالفعل بحثنا عن موقعه حتى وجدناه، وعملنا خلال عشرة أعوام وهي الفترة التي أشرفت فيها الإمارة على السوق ليتبوأ مكانته الطبيعية بين المؤسسات الثقافية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية، وبفضل الله ثم بدعم القيادة فإن السوق يخطو خطوات وثابة ليكون واجهة حضارية تنقل الوجه الحقيقي للإنسان السعودي، ويكون كما كان في السابق منارة للتجديد والإبداع والابتكار ولإبراز الحاضر الزاهر للمملكة وشعبها، وقد أسهم كذلك في إبراز البُعد التاريخي والثقافي لمدينة الطائف.

توثيق الهوية الشعرية العربية

*أطلقتم سموكم الكريم قبل نحو عامين جائزة الأمير عبدالله الفيصل للشعر العربي هذه الجائزة التي تحمل الكثير من قيم الوفاء والعرفان من سموكم الكريم تجاه الأمير عبدالله الفيصليرحمه الله-.. كيف تنظرون سموكم للمشروع الذي تقوم عليه هذه الجائزة؟ وماذا يمكن أن تحقق لخدمة الإبداع والمبدعين في الوطن العربي لا سيما وهي تحمل اسم أحد كبار الرواد والشعراء العرب؟ وتشكّل ثقلاً ثقافياً مهماً في المشهد الفكري العربي؟

لا يخفى على الكثير الدور الثقافي للأمير عبدالله الفيصل -يرحمه الله- في إثراء الحركة الأدبية في المملكة، وإيصال صوت المثقف السعودي إلى الأقطار العربية، ومن هذا المنطلق جاء إطلاق جائزة تحمل اسمه عرفاناً بجهوده وتقديراً لإسهاماته الكبيرة في هذا الشأن، وقد أخذت الجائزة على عاتقها تنمية الإبداع الشعري ودعمه وتعزيز دوره الريادي في الثقافة العربية، إلى جانب نشر الثقافة الشعرية في المجتمعات العربية، وتوثيق الهوية الشعرية العربية بكل أشكالها وألوانها، وهذا ينعكس إيجاباً على الحالة الأدبية، وينميها ويشعل روح التنافس في الأوساط الثقافية الأمر الذي يثري الساحة، ويسهم في تجويد النتاج الأدبي.

الحرس الوطني ريادة ومنجزات حضارية

* سمو الأمير .. تعد وزارة الحرس الوطني مؤسسة عسكرية وحضارية أسهمت في خدمة الوطن عسكرياً وثقافياً وحضارياً وطبياً وفي مختلف المجالات .. ماذا يقول الفيصل لأبنائه في وزارة الحرس الوطني؟

في الواقع فإن الحرس الوطني منذ بداياته الأولى وهو مؤسسة عسكرية أمنية تمثل أحد مكتسبات الوطن، وما قام به الحرس الوطني من أدوار حضارية وثقافية وفكرية وطبية أمر يدعو إلى الفخر والاعتزاز، فقد كان ولا يزال أحد المؤسسات التي تحتضن أبناء وبنات الوطن وكانت له الريادة منذ وقت مبكر في القيام ‏برسالة غاية في الأهمية بجانب الدور الأمني والعسكري وهي الرسالة الحضارية ‏التنموية الشاملة، وفي مقدمتها الجانب الفكري والثقافي الذي يعتبر ركيزة أساسية في المنظومة ‏الأمنية والعسكرية، وهو حاليا من خلال قطاعاته المختلفة لازال يقوم بهذا الدور بدرجة عالية من الاحترافية والتميز، في ظل ‏قيادة أخي صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن بندر بن عبد العزيز وزير الحرس الوطني وهو زميل عزيز عملنا سويا في إمارة منطقة مكة المكرمة، وكانت له بصمة مميزة، وهو شخصية قيادية يمتلك الوعي والحماس والحس الإداري العالي، وأتمنى لسموه مزيد التوفيق والنجاح في هذا الصرح الكبير.

 * ختاماً نتقدم بفائق الشكر والتقدير لسموكم الكريم أن شرفتمونا بهذا اللقاء الذي سيبقى أحد العلامات الفارقة في تاريخ المجلة، متمنين من سموكم التفضل بكلمة أخيرة للقراء؟أولا، أشكر جميع القائمين على المجلة، متمنياً أن تعود مضامين هذا الحوار بالفائدة على القراء، سائلاً الله للجميع التوفيق والسداد، وأدعوهم ألا يدخروا جُهداً في خدمة هذا الوطن العظيم والنهوض به للمكانة التي يستحقها، آملا لمجلة الحرس الوطني وهي المجلة الرصينة بمحتواها العسكري والثقافي والفكري المزيد من التقدم والنجاح.