عسكرية - ثقافية - شهرية

بقلم العميد/ م. وليد مفضي العنزي

شكل انتهاء الحرب الباردة في مطلع العقد الأخير من القرن الماضي بداية حقيقية لثورة جديدة في المفاهيم ودلالتها، خصوصًا على صعيد النظرية السياسية الدولية.

وكان لضخامة الحدث وما يترتب عليه من تغيير جوهري في شكل النظام الدولي القائم وآليات عمله وفي شكل العلاقات الدولية القائمة ومضمونها وإدارة تفاعلاتها سلمًا وحربًا في آن واحد الأثر الواضح في ردة الفعل العالمية الرامية إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات والثوابت ضمن الأدبيات السياسية والدولية، وخصوصًا تلك التي تعاملنا بها، واستقرت في منهجيتنا التحليلية بصفتا باحثين في علم السياسة على وجه الخصوص بوصفها منطلقات نظرية برهن الواقع الدولي على صحتها وصلاحيتها من حيث المعنى.

لم يكن ذلك مستبعدًا مع تصاعد خطاب التغيير والتجديد الذي يجتاح العالم، وفي ظل الأجواء الاحتفالية التي تلت الانتصار الكبير للمعسكر الرأس مالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية على خصمها الاتحاد السوفياتي وكتلته الشيوعية.

ومع انتهاء الحرب الباردة تبارى كثير من المفكرين والباحثين في العلوم السياسية في التبشير بنهاية أستراتيجية الردع وتلاشي أسبابه لتغيير طبيعة التهديد الذي يمثله أحد أقطاب نظام توازن القوى إبان الحرب الباردة، وانكفاء قدرته على مواصلة طريق بناء القوة الكفيلة بتحقيق الردع في مواجهة الخصم، بما يؤشر غيابًا ماديًا وحقيقيًا للمردوع، ويعني بالمحصلة غياب الأهمية المعلقة على وجود الرادع، وبالمحصلة انتفاء ضرورة قيام معادلة ردع على النحو الكلاسيكي الذي عرفناه طوال سنوات الحرب الباردة.

مفهوم الردع

أولًا: في المدلول اللغوي، ما درج في معاجم اللغة العربية، ومنها لسان العرب أن الردع هو الكف عن الشيء فالردع يراد به المنع، أو الحيلولة دون القيام بفعل أو عمل ما.

ثانيًا: الردع المفاهيمي، أن مفهوم الردع يرتبط بالتلويح باستخدام القوة التقليدية لإيقاع التأثير المطلوب، ولتحقيق أهداف مطلوبة معينة ومحددة عجزت الأدوات السياسية الأخرى عن تحقيقها، وبهذا الصدد يعرف الجنرال أندريه بوفر (Andre Beaufre) الردع على أنه «منع دولة معادية من اتخاذ قرار باستخدام أسلحتها، أو بصورة أعم منعها من العمل أو الرد إزاء موقف معين باتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات التي تشكل تهديدًا كافيًا حيالها.

ويلاحظ على هذا التعريف أن صاحبه قد قصر الردع على الجانب العسكري، أو استخدام القوة المسلحة فقط، بغية الحصول على التأثير المطلوب، في حين أن الردع ليس بالضرورة مقتصرًا على القوة العسكرية فحسب.

ومع أن بول هات وبروس وهما من الكتاب الأميركيين في إستراتيجية الردع لم يشيرا في تعريفهما الردع إلى استخدام القوة العسكرية صراحة، إلا أن استثمارها يفهم منه على أنه «محاولة من صانعي القرار في دولة ما لإجبار صانعي القرار في دولة أخرى على التجاوب مع مطالب الدولة الأولى».

كما يلاحظ على هذا التعريف أنه يقدم خيار الصراع على خيار التعاون، وذلك من خلال إشارته إلى «الإجبار»، ذلك لأنه:

* يفترض وجود طرف، أو أطراف، لها القدرة الفعلية على إجبار طرف أو أطراف أخرى على القيام أو الامتناع عن فعل ما.

* يشترط -بحسب اعتقادنا ضمنًا- أن يكون الردع موجهًا من طرف قوي إلى طرف ضعيف، في حين أن الردع يمكن أن تمارسه أطراف مختلفة.

وعرفت الموسوعة العسكرية الردع من الفكرة السابقة نفسها «التلويح باستخدام القوة» على أنه: التدابير التي تعدها وتتخذها دولة واحدة أو مجموعة من الدول، وذلك عن طريق بث الذعر لدى الطرف الآخر إلى حد يصبح فيه هذا الذعر غير محتمل».

وهناك من يدرك الردع عبر ربطه بالسياسة الخارجية، واقتصار فكرة الردع على الميدان العسكري وجانب التوازنات العسكرية القائمة في ساحة القتال، حينما يتحدث التعريف عن الهجوم والنتائج المتوقعة منه في حال الرد عبر القول: «الردع إستراتيجية سياسية ذات أدوات عسكرية تنطوي على ربط السياسة الخارجية بالتخطيط العسكري».

إن هذا المفهوم الذي يربط الردع -حصرًا- بالناحية العسكرية، مؤكدًا التلويح والتهديد باستخدام القوة العسكرية ووسائلها، قد ارتبط بالمفهوم الدفاعي للردع الذي يعرفه أندريه بوفر بأنه: «الردع الذي يقتصر على منع الخصم من تحقيق هدف نخشاه».

ويكون الردع دفاعيًا حينما يمنع العدو من القيام بعمل تعرضي يخشى منه، وبذلك يعد عادلًا وشرعيًا لأنه يحول دون القيام بعدوان أو تدخل في إجراءات يُراد القيام بها من أجل استرداد حقوق معينة. فهدف الردع الدفاعي يكمن في تجنب ضربة من الضربات، وهو الشكل الأقوى لإدارة الحرب، بل العمل غير المباشر الذي يكمن في أن تقوم به الدولة لتفادي اختبار القوة الكبير.

ونتيجة للتطور الذي حصل في مفاهيم القوة والاستراتيجية والقوة العسكرية ومن ثم الردع، فقد تطور مفهومه هو الآخر ليأخذ أبعادًا أخرى غير عسكرية، لذلك عُرف على أنه: توظيف لوسائل القوة عن طريق التهديد لتتوافق مع اهداف سياسية عليا(1).

وبمعنى آخر الردع وفقًا لهذا التعريف هو «حوار الإرادات المتصارعة بين خصمين يرمي أحدهما إلى منع الآخر من القيام بعمل، أو اعمال، لا يرتضيها».

وعليه فإن الردع يستهدف أولًا وقبل كل شيء إرادة الخصم وليس فعله، إذ قد ينتج منه تأثير في مداركه حتى يقتنع بالعدول عما ينوي القيام به، عندئذ يكون التهديد جزءًا متتمًا لا غنى عنه لإيقاع التأثير في الجانب النفسي للخصم.

وثمة تعريف آخر يشير الى «أنه توفير القدرة التي تتيح إرغام الخصم على التراجع عن تصرف معين، أو إحباط الأهداف التي يتوخاها من ورائه، تحت التهديد بإلحاق خسائر جسيمة به تفوق المزايا التي يتوقعها من وراء الإقدام على مثل هذه التصرفات، ومن ثم يكون الردع محصلة نهائية لتفاعل مجموعة من العوامل والمتغيرات العسكرية والسياسية والدعائية التي تضع الخصم في حالة نفسية يحجم معها عن تقبل المخاطرة».

ويبدو لنا أن هذا التعريف أكثر شمولية، إذ يحيط بمفهوم الردع بشكل أفضل وأوضح.

وهنالك من يعرف الردع بأنه: «منع جهة أو طرف من القيام بعمل أو سلوك عن طريق التهديد» وعلى الرغم من أن هذا التعريف يحدد الردع بامتلاك الوسائل المادية التي تمنح القدرة لأمر ما بغية التحكم بالآخرين وفرض الإرادة عليهم، أي استخدام دبلوماسية القوة فإنه في الوقت نفسه لم يشر إلى وسائل التهديد التي يمكن أن القوى -مادية أو معنوية- تمنح القدرة بالفعل لمنع الآخرين عن التصرف بشكل مخالف لإرادة الطرف أو الأطراف الأولى، مع وجوب التركيز في أن يكون التهديد لغة لا تنطوي على أذى ملموس، ويتطلب من الرادع والمردوع ان يفهما بعضهما بعضًا من خلال «الإدراك» الذي يعد مسؤولية ثنائية تؤمن من خلال إيصالات مباشرة وغير مباشرة لفهم رسالة الردع بينهما.(2)

وسواء أكان التهديد علنيًا أم خفيًا يجب أن يأخذ مداه الأبعد لإتاحة الفرصة للطرفين للحيلولة دون استخدام القوة.

وعليه يمكننا القول إن أدوات الصراع كثيرة ومختلفة تراوح بين الإيحاء أو إفهام طرف لآخر بعدم الرضا عن موقف أو نشاط معين مصحوبًا بإمكانية التحرك لوقفه نتيجة ما يمتلكه الطرف الأول من قدرات مادية ومعنوية تتيح له عرض القوة أو التلويح باستخدامها لإيقاع أقصى تأثير نفسي يضع الطرف الذي يُراد ردعه في موقف يضطر معه إلى الامتناع عن القيام بفعل ما. وهذا يعني أن الردع لا يشترط فيه الاعتماد على القوة العسكرية فحسب، ولذلك يُعرفه غلين سنايدر (Glenn Snyder) بقوله: «إن الردع في أحد مفهوماته ما هو إلا الناحية السلبية من القوى السياسية، إنه القدرة على الردع مقابل القوة على القهر أو الإجبار.

ويفسر أمين هويدي الردع بهذا المعنى حينما يرى أنه «منع الأطراف من اللجوء إلى القوة لتحقيق أهدافها، أو هو عدم استخدام القوة، على الرغم من وجودها، أو هو تجنب القتال».

وينحو المفكر الإستراتيجي الفرنسي بيير غالو (Galois) المنحنى ذاته حينما يعرفه بأنه «ردع الخصم من اللجوء إلى ألقوة» ويشير أيضًا إلى أن الردع ليس ابتكارًا جديدًا في تاريخ العلاقات بين الشعوب، فمنذ الأزل والمعتدي يقدر المجازفة التي سيُقدم عليها، ثم يوازن بينها وبين المغانم التي سيحصل عليها نتيجة لهذا العدوان، إذ لا يكفي أن تكون نتيجة القتال لمصلحته، وإنما يجب أن تتناسب الخسائر التي يتكبدها مع الرصيد الذي سيحصل عليه(3).

ويذهب الخبير الإستراتيجي الأميركي الأدميرال جي، سي، ويلي إلى أن الردع وفق رؤية منع استخدام القوة العسكرية هو «إجراءات لمنع الحروب بدلًا من تنفيذها، باستخدام الوسائل النفسية بدلًا من الوسائل المادية، إذ قدرة الردع تعزز الدفاع والعكس بالعكس»

وشاهد الأمير عبدالله بن بندر والحضور عرضًا مرئيًّا تعريفيًّا عن صرح الجامعة، وأعداد الخريجين لهذه الدفعة البالغة 794 طالبًا. بعد ذلك ألقى مدير الجامعة الدكتور بندر القناوي كلمة بهذه المناسبة، ثمَّن فيها رعاية وزير الحرس الوطني التي تأتي دعمًا لمسيرة الجامعة الأكاديمية والعلمية والبحثية، ودافعًا للاستمرار في تحقيق النجاحات.

وأضاف بأن مشاركة وزير الحرس الوطني الخريجين فرحة النجاح والتخرج تؤكد حرصه على دعم وتشجيع الطلاب؛ لما بذلوه من جهد في التحصيل الأكاديمي والعلمي والتدريب الإكلينيكي، ومشاركتهم أيضًا فرحة التطلع إلى خدمة الوطن والمواطن بثقة وتفانٍ وإخلاص.

وأكد أن خريجي الجامعة اكتسبوا مهارات، سيسهمون بها في دعم وتطوير النظام الصحي في السعودية، وتطوير خدمة الرعاية الصحية، كما استفادوا من البيئة الإكلينيكية في تطوير أدائهم وإمكاناتهم على أكمل وجه.

وسوم